أطلقت مأساة قانا، وما كان لها الاّ ان تطلق، درجةً بعيدة من التوحّد بين اللبنانيّين الذين هزّتهم الجريمة كما أرعبتهم وأغضبتهم كلّهم من غير استثناء. وهو توحّد تجاوز البُعد الانسانيّ الذي استدعته الفاجعة ليطاول المعاني السياسيّة نفسها، الشيء الذي عكس ذاته في مواقف عامّة اتّخذها تباعاً الرئيس فؤاد السنيورة وحكومته وتعزّزت بإجماع شامل.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، وفيما البداية المتعثّرة للعمليّة السياسيّة تختلط بالنهاية المتعثّرة للعمليّات الحربيّة: كيف الحفاظ على هذين التوحّد والإجماع، وكيف يمكن لهما العثور على مدى عربيّ ودوليّ يكمّلهما ويسندهما؟

فأغلب الظنّ ان الصيغة التي سيتمّ الرسوّ عليها، إذا ما أمكن للعمليّة السياسيّة أن تبدأ، ستكون أقرب الى وقف نار فوريّ مرفق بمباشرة تنفيذ المطالب التي يريدها الجانبان. وإذا كانت النتائج العسكريّة لا تسمح لأيّ من الطرفين المتقاتلين بتنفيذ مطالبه كاملة، فالواضح ان جريمة قانا تملك ما تقوله في صيغة المستقبل السياسيّ.

ذاك ان الجريمة وما سبقها من جرائم، فضلاً عن التهديم الذي لحق بلبنان، تعلن كلّها ان إخراج الحدود اللبنانيّة - الاسرائيليّة من دائرة القتال ليس حماية لاسرائيل بل هو حماية للبنان وشعبه وأطفاله. وإذا كان الرجوع الى اتّفاق الهدنة يحمي لبنان، بعد كل التجارب المريعة وآخرها قانا، فإنه يحظى بدرجة من الإجماع الشعبيّ لا تتوفّر لأيّ اقتراح بديل في ما خصّ الحدود الدوليّة. فوق هذا، وما دمنا نأخذ العمليّة السياسيّة في الحساب، ونقيس بمقياسها، فإن اخراج الحدود من رقعة المواجهة يحظى بتأييد عربيّ واسع جدّاً، وبتأييد دوليّ يتفاوت التعبير عنه، ما بين فرنسا الأقرب الى صيغته اللبنانيّة والولايات المتحدة الأقرب الى صيغته الاسرائيليّة.

وغنيّ عن القول إن أطرافاً قليلة لا تزال متحفّظة عن صيغة كهذه، بل معادية لها. لكن من الذي قال إن لبنان الذي قد(؟) يولد بعد هذه المقتلة الكبرى، سينكر على أيّ من الأطراف الإقليميّة حضورها ونفوذها السلميّين فيه. وفي الحالات كافّة، يبقى أن المضيّ في طيّ الحدود الدوليّة الى العمليّات العسكريّة هو ما يعطي اسرائيل الحجة التي ترغب فيها، ليس فقط لكي تلتفّ على قانا، بل ايضاً لكي تلتفّ على العمليّة السياسيّة برمّتها. وهذا خطير لأسباب عدّة في عدادها إرجاع التوافق اللبناني الراهن الى سابق عهده في التناحر، وإحراج أصدقاء لبنان في العالم العربيّ وفي العالم، فضلاً عن الظهور بمظهر من يعصى الطرق والكيفيّات المألوفة في تذليل النزاعات.

ولبنان، في آخر الأمر، لم يعد يحتمل، فيما الرسالة الأهم التي ترسلها قانا، بعد الألم طبعاً، أن من لا تحميه دولة سيّدة لن يجد حمايته لدى أيّ كان.