إقـرار وقف النار ينتظر التفاهم على القوة الدولية

لم يجد المسؤولون اللبنانيون تفسيرا للتصريحات الاخيرة لوزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس قبل مغادرتها المنطقة الى واشنطن والتي عكست ثقتها بامكان التوصل الى وقف النار هذا الاسبوع. ولم تتوافر للمسؤولين امس معطيات جديدة عن لقائها الاخير رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت الذي تناقضت تصريحاته مساء الثلثاء، ومنها انفتاح على وقف النار في ضوء موقف المقاومة بعد تنظيف الحزام... بيد ان رايس، بحسب اوساط لبنانية مسؤولة "يفترض من موقعها، الا ترمي الكلام جزافا وان تكون مستندة الى معلومات". وعليه فان ما يبدو واضحا ان ثمة بحثا عن مخرج ما لمأزق وقع فيه الجميع ولا سيما الجانب الاسرائيلي الذي يكرر بلسان اكثر من مسؤول ان اي وقف للنار قبل تحقيق الاهداف المعلنة يعني اعطاء "حزب الله" نصراً وهذا ما يتحينه الاسرائيليون. ويبدو ان من المخارج التي تناقش جديا، القبول بوقف النار "نتيجة الضغوط الدولية"، وذلك استنادا الى "مصدر اسرائيلي" نقلت عنه وسائل الاعلام قبل ظهر امس ان "اسرائيل قد تضطر تحت الضغوط الدولية الى اعلان وقف النار في غضون اسبوع". وفي هذا تأكيد لما اعلنته وزيرة الخارجية الاميركية اكثر من مرة اثناء زيارتها الاخيرة للمنطقة من احتمال وقف النار هذا الاسبوع وتحديدا غدا. ولعل في تصاعد الغارات الوحشية الاسرائيلية قبل مجزرتي قانا وصريفا وبعدهما ما يعزز هذا الاعتقاد. ويوما بعد يوم يبدو جليا ان الجانب الاسرائيلي يبحث عن "انجاز" ما في مكان ما لتبرير وقف النار دون اعطاء "حزب الله" نصرا. ومن خلال تركيز المعارك على تخوم الحدود الدولية وخصوصا امس، يتضح ان الاسرائيليين يحاولون اقامة ما سموه "المنطقة الامنية" واحتلالها في انتظار وصول القوة الدولية التي باتت تشكل محورا اساسيا في الاتصالات الجارية في بيروت ونيويورك وما بينهما، بهدف التفاهم على تركيبتها وصلاحياتها. ومن المعروف ان الموقف اللبناني واضح في هذا المجال. ويختصر بأن اي قوة دولية يفترض ان تكون تحت راية الامم المتحدة، انطلاقا من الصيغة التي وردت في المشروع الذي عرضه أمام "مؤتمر روما" الرئيس فؤاد السنيورة الذي اكد لـ"النهار" امس: "اننا ملتزمون النص كما ورد" وهو "تعزيز قوة الامم المتحدة العاملة في جنوب لبنان بالعديد والسلاح والتجهيز والمهمة كي تتمكن من ضمان الاستقرار والسلام والقيام بمهمات انسانية". وفي انتظار ذلك تستمر المواقف ولا سيما منها الاميركية والاوروبية على حالها: "لا وقف للنار الا بالتفاهم على القوة الدولية". وتنشط فرنسا التي زار وزير خارجيتها فيليب دوست بلازي لبنان للمرة الثالثة، خلال اقل من ثلاثة اسابيع، للتوصل الى تفاهم حول طبيعة القوة الدولية ودورها. ومما يبعث على التفاؤل، وان بحذر في امكان التوصل الى حل قول مسؤول كبير لـ"النهار" امس: "لقد انتهينا من فكرة "الناتو" اي قوات تابعة لحلف شمال الاطلسي. وان القوة الدولية "لن تكون الا تحت علم الامم المتحدة وسلطتها". وسط هذه الاجواء، كيف تبدو الصورة "الميدانية" للاتصالات الدولية من الجانب اللبناني؟ " - هناك مشاريع نصوص يعمل عليها ولا شيء جاهزا او نهائيا حتى الساعة"، يقول الرئيس السنيورة، ويضيف: "ثمة محاولات للتوصل الى مشروع دمج – اذا صح التعبير – بين المشاريع المقترحة". وفي ظل استمرار التصلب والتصعيد من الجانب الاميركي والاسرائيلي، فان لا معلومات عن خطوات متقدمة في جوانب اخرى ولا سيما بعد وصول وزير الخارجية الايراني منوشهر متكي الى بيروت قادما من دمشق، ولقائه المفاجىء ليلا نظيره الفرنسي فيليب دوست بلازي. وتقول مصادر ديبلوماسية ان "لا جديد عند الايرانيين" حتى هذه اللحظة.

الجولان بدل لبنان

لكن الجديد الذي توقفت عنده الدول المعنية هو الكلام السوري الذي لا يخلو من العنف وقد اطلقه وزير الخارجية وليد المعلم خلال زيارته اول من امس لدولة قطر، بصفتها العضو العربي في مجلس الامن، معارضا القوة المتعددة الجنسية التي قال انه يعتبرها "قوة احتلال" تفتح الباب امام "تسلل عناصر من القاعدة الى لبنان"، متسائلا: "هل نريد ان نجعل من لبنان عراقاً آخر". وذهب بعض المراجع السياسية، انطلاقا من ذلك، الى القول انه من اللافت اكثار التلويح من دمشق بخطر "تسلل عناصر من القاعدة الى لبنان"، في وجه اتهامات بيروت لدمشق انها هي التي بدت كأنها تسهل التسلل الارهابي الى لبنان باشكال ومن ممرات متعددة، بعضها فلسطيني ومعروف وتأتت عنه حوادث لا تزال مستمرة الى امس قريب. على ذلك تردّ دمشق، بلسان وزير خارجيتها في مؤتمره الصحافي ان المدى الابعد لحل الازمة الراهنة يجب ان يتضمن الاقتناع الدولي بان "ما يجري في لبنان هو جزء من التوتر والعنف في المنطقة بسبب توقف العملية السلمية". وقال: "لا بد في مرحلة مقبلة ان تعالج المسألة من جذورها بالعودة الى البحث عن تسوية شاملة وعادلة على اساس القرارين 242 و338 ومبدأ الارض في مقابل السلام". وقالت اوساط سورية انه "لا يجوز الحديث عن صراع لبناني – اسرائيلي، اذ ان ما يحصل هو جبهة من جبهات الصراع العربي – الاسرائيلي". الامر الذي ترد عليه المراجع اللبنانية بان القرارين 242 و338 اتخذا نتيجة حرب 1967 التي لم يشترك فيها لبنان، فهو اذاً غير معني بهما. وقال سياسي بارز لـ"النهار" ان الوزير المعلم يريد قلب مقولة ريمون اده الذي كان يردد ان "سوريا تنازلت عن الجولان في مقابل وضع يدها على لبنان". ولعلها الآن تطلب من الدول الكبرى استعادة الجولان حتى تكف شرها عن لبنان الذي اخرجتها منه "ثورة الارز"... وهي لم تشفَ من ذلك ولا تغفر اخراج جيشها ومخابراتها نتيجة ذلك. وتؤكد مراجع معنية بمراقبة التطورات ان دمشق تستمر تحاول ايجاد شبكات مخابراتية بديلة، ولعلها نجحت الى حد، مع غطاء سياسي من حلفاء تقليديين يكثرون التصريحات ويدعّون احتكار الحرص على "حزب الله" وتأييد المقاومة.

غرفة عمليات... "متعددة البعد"

مع استمرار الاتصالات ليل نهار، تحولت السرايا غرفة عمليات لمتابعة التطورات العربية والدولية، وسط تنسيق يومي بين الرئيسين نبيه بري وفؤاد السنيورة، فان التطورات تبقى مرشحة للتسارع بين ساعة واخرى. ويأمل الرئيس السنيورة الذي يبدو هذه الايام اكثر من اي وقت مضى متمتعا بصلابة لافتة ومتسلحا بـ"صبر ايوب" ان تكون "العاصفة الكبرى الناجمة عن العدوان الاسرائيلي الوحشي قد بدأت الانحسار". وذلك رغم تحفظه عن التسرع واستباق الامور او التفاؤل دون الاستناد الى معطيات جديدة وجدية. والى الاتصالات العربية والدولية على المستوى السياسي يولي الرئيس السنيورة اهتماما كبيرا بالشأن الانساني وقضايا الاغاثة عبر نشاط واسع النطاق وفريق عمل كبير "مستنفر" ليل نهار للاهتمام بتحريك المساعدات العربية والدولية عبر ما يسميه "حملة استنهاض العالم ديبلوماسيا واعلاميا لدعم لبنان في المجال السياسي كما في الاغاثة وتخفيف آلام الناس". كل ذلك في موازاة بدء التحضير لمرحلة ما بعد وقف النار، مرحلة اعادة البناء... وكلمة الختام قول الرئيس السنيورة: "ما اصعبها في دولة منكوبة".