نقل الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله العمل الحزبي في لبنان من ثقافة الغنائم والتسلق، الى ايديولوجيا الاستشهاد. وحوّل جوهر الاحزاب من تجمعات وتكتلات لها رسالة واحدة هي احصاء المقاعد في البرلمان، واعداد الزعيم الاوحد لموقع الفخامة، الى تجمعات تعطي الدرس الاخير في التمسك بالارض، والدفاع عنها، ترابا أو ركاما. لذلك ما سيحدث الآن ليس مهما، على عظيم أهميته ودراميات أحداثه، وانما الاكثر أهمية هو ما ستتركه الحرب على واقع السياسة اللبنانية، وصورة العمل الحزبي والتكتلات، ومصير البهلوانيات الشعبوية التي عاشت أو ازدهرت حتى الآن، لأن حجم المحن السابقة لم يكن في حجم هذه المحنة ولا في شكلها ولا في صورتها الوطنية والاقليمية والدولية. لقد تبين للبنان، كل لبنان، انه كان يعيش مع مدّ بشري لا يعرف عنه شيئا. يرى نوابه ولا يعرفهم. ويرى أعضاءه ولا يعرف عنهم شيئا. فهم ليسوا مشروع شهادة في انتظار الساعة، وانما هم مقاتلون معدون مستعدون لانزال الهزيمة بالجيش الاسطوري القوة، قبل ان يستشهدوا او ان يستكملوا المعارك. وفي المقابل هناك أحزاب باهتة كانت تسمى في فرنسا "النوادي" او Les Clubs. وقد وضع الجنرال شارل ديغول حدا لحياة هذه الاحزاب، كما انتهت بعد الثورة مرحلة "الوجهاء" او Les notables. وحتى 12 تموز كانت الحياة الحزبية في لبنان، مزيجا من الاثنين. وكانت هناك تجمعات نيابية موقتة لكنها تشبه حركة بيار بوجاد في فرنسا أوائل الخمسينات. فقد جمع بدعاويه الشعبوية وشعارات البقالين 51 نائبا وعرض... التحالف على شارل ديغول. وفيما بقيت الديغولية لتقود فرنسا في ظروف ما بعد الحرب، انطفأ بيار بوجاد وتحوّل "مضرب مثل" في الحياة الوطنية الفرنسية على ضحالة الغرور وسرعة الانطفاء. لن يبقى في الحياة السياسية اللبنانية شيء، كما كان قبل 12 تموز. فقد اهتزت الصورة على الجدار من تلقائها: حزب قادر على مواجهة اسرائيل عسكريا، ولو بثمن اهلي باهظ، وأحزاب مجردة في أكثرها، لا من السلاح، بل من أسباب الديمومة. ولنحاول ان نتأمل الصورة جيدا: القوى التي ستقف الى جانب "حزب الله" من المسيحيين، هي مجرد قوى في ظله، والقوى التي ستقف في وجهه، لن تدري كيف تستجمع نفسها كي تشكل وزنا محسوبا، في ضوء الفرز الهائل وسط هذا الركام. نحن في منقلب وطني، يعتمد الكثير فيه على توجه السيد حسن نصرالله. فالمسألة لم تعد لبنانية ولم تكن. وكلام الرئيس نبيه بري الاسبوع الماضي يضع القضية على سقف حار، محليا واقليميا. واذا كان الامين العام لـ"حزب الله" يعتبر أن انتصاره القومي ويمنحه حق الثأر السياسي الوطني، فنحن نسير نحو ازمة اشد عمقا مما خلَّفت الحرب. ففي العودة الى طاولة الحوار الوطني الآن لم تعد عباءة حسن نصرالله تخبىء عن الحاضرين مدى قوة الحزب وحجمها. فعلى اي اساس سيكون الحوار؟ وبموجب اي فكر او تأثير سوف يوضع الميثاق الجديد؟ وماذا بقي من اقتراحات لـ"الاستراتيجية الدفاعية "بعدما أرغم مقاتلو الحزب "لواء غولاني" على الانسحاب من بنت جبيل؟ ان العودة من الجبهة الى وسط بيروت، هي التي ستكون الامتحان العسير للجميع: ماذا سيقبل "حزب الله"، وماذا سيرفض؟ وماذا سيكون موقفه من الحكومة التي أُتهم بعضها على شاشة "المنار" بالصلة باسرائيل؟ وكيف ستكون العلاقة الهشة مع 14 آذار والقوى او الشخصيات الممثلة فيه؟ في الوقت الذي كانت الحرب مع اسرائيل تخرج عن كل متوقع، كانت تدور في الداخل حرب صامتة او متحاورة احيانا. فقد بحث السياسيون عن مواقعهم وتلمسوا طرق الخروج. وفيما بدا اول الامر ان ثمة مكانا للكلام السياسي، ادى تصاعد العدوان الاسرائيلي الى الغاء كل كلام. وقد اعتادت اسرائيل ان تختم الموجات الدموية الكبرى بحماقة دموية ايضا، وعادت الى قانا واطفال قانا وشيوخها في غباوة موصوفة، بحيث ما لم يكن محسوما في معركة "حزب الله" قد حسم. بعد قليل ستبدأ المعركة الكبرى. معركة العودة الى لبنان كوطن موحد تم تدميره من اجل ان يفتت. وضربت بيوته وجسوره من اجل استعداء الناس على "حزب الله"، فاذا حسن نصرالله يخرج زعيما عربيا تملأ صورته الصفحة الاولى من "التايمس". تنتظرنا في هذه العودة محنة اكبر مما حدث. اولا محنة الناس وعذاباتهم الابدية، وثانيا محنتنا بأحزاب سياسية تحكي وتثرثر وتملأ الشاشات ولا تقدم ربطة خبز لعجوز. او نصف ربطة.