في احدى اطلالاته التلفزيونية بعد بدء الحرب الاسرائيلية على لبنان في 12 تموز الماضي قال الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله ما معناه ان مقاتلي "المقاومة الاسلامية" الذين يقود لن يقوموا بالهجوم البري على شمال اسرائيل بغية احتلاله وان ما يفعلونه منذ نحو ثلاثة اسابيع هو الدفاع عن الوطن المهدد من اسرائيل منذ قيامها. هل اطمأنت اسرائيل الى كلام السيد نصرالله؟ وهل اثّر على مواقفها من لبنان وتحديدا على مسار الحرب التي تشن عليه، وإن من دون نجاح كبير حتى الآن؟ لم يلمس اللبنانيون بل العالم اي تأثير لهذا الكلام على مجريات الحرب وعلى العكس من ذلك فان الحكومة الاسرائيلية واصلت تصعيدها العمليات العسكرية الجوية واستمرت في محاولات اختراق الحدود اللبنانية في اتجاه الداخل. وهي تبدو اليوم رغم الدمار الكبير الذي تسببت به للبنان والمجازر اليومية المتنقلة في قرى الجنوب وغيره، اكثر تصميما على الحرب وإن مع تعديل في الاهداف التي تريد تحقيقها. فالقضاء على "حزب الله" او تفكيكه لم يعد هدفا ظاهرا على الاقل، اما لعجز آلتها العسكرية عن ذلك، واما لرفضها دفع الثمن البشري المرتفع تحقيقا لذلك، واما للسببين معا. بل صار الهدف المعلن ابعاد الترسانة الصاروخية الهائلة لـ"حزب الله" عن اسرائيل او تحييدها. وهي تعتمد في ذلك على المجتمع الدولي الذي يفترض ان يقر ممثلوه الدائمون وغير الدائمين في مجلس الامن الاسبوع الجاري وربما الاسبوع المقبل او الاسابيع التي تليه تسوية توقف النار وتعالج جذور المشكلة الناشبة بما في ذلك سلاح المقاومة. واذا لم يتحقق ذلك، فان اسرائيل حكومة وشعبا قد تندفع الى مغامرة خطرة اقلها حرب استنزاف طويلة الامد مع لبنان، كل لبنان، ومقاوميه، مع ما يرتبه ذلك من اخطار عليه وعلى دولته شبه القائمة وعلى تعايش "شعوبه" البارعة في التكاذب. واهمها حرب واسعة وتطول اللبنانيين، الذين تعتبرهم منفذين لمشروع اقليمي كبير زعيمته الجمهورية الاسلامية الايرانية وتورط المنطقة كلها بل العالم كله في حرب بل في فوضى لا احد يعرف كيف تكون نهايتها ونتائجها. وهي قد لا تسأل لدى اتخاذها قرار الحرب هذه، استنادا الى مصادر ديبلوماسية غربية مطلعة ومتابعين للوضع الاسرائيلي من زمان في اكثر من عاصمة كبرى عن موقف الولايات المتحدة لانها قد تعتبر ان وجودها صار مهددا جدياً وإن على المدى البعيد. وبهذا المعنى فان كلام السيد حسن نصرالله المشار اليه لا يطمئن اسرائيل ولم يطمئنها لانها تعرف ان انتهاء الحرب الدائرة من دون تحقيق اهدافها، سواء كليا او جزئيا، سيكون المسمار الحقيقي الاول في نعشها. ولانها تعرف ان صمود لبنان وعجزها عن ضرب مقاومي "حزب الله" سيؤسسان لقيام جبهة الرفض العربية الاسلامية لها في الدرجة الاولى، ولاميركا في الدرجة الثانية، والتي ستضم الى زعيمتها ايران سوريا والعراق ولبنان. ومن شأن جبهة كهذه وضعها في موضع دفاعي، ولا سيما اذا نجح اقطابها في احداث تغييرات جوهرية في الانظمة العربية والاسلامية المتحالفة مع الغرب وزعيمته واشنطن. كما انه قد يفقدها ثقتها بنفسها وبجيشها ويجعل استمرارها رهناً بالحماية الاميركية المباشرة. طبعا قد يقول كثيرون ان في هذا الكلام الكثير من الصحة، ولكن فيه ايضا الكثير من التجاهل. اولا، تجاهل حقيقة ان سوريا عبء على جبهة الرفض لاعتبارات عدة اكثر منها تعزيزا لها. وتجاهل حقيقة ان العراق، رغم النفوذ الايراني الواسع، بل الطاغي في اوساط الشيعة من ابنائه وفي اوساط المقاومين السنة او بعضهم، عبء بدوره على الجهة نفسها. ذلك انه على ابواب الحرب الاهلية اذا لم يكن دخل حربا كهذه. ومن شأن ذلك استنزاف ايران كما سائر الدول العربية المتناقضة معها في السياسة والمصالح وفي غير السياسة والمصالح. وتجاهل حقيقة ان ايران الاقوى من الجميع سواء بوضعها الداخلي او بعلاقاتها الخارجية، وخصوصا مع الصين وروسيا وبعض اوروبا، لا تستطيع ان تواجه العالم كله اذا قرر مواجهتها ولا تريد ان تصل الى وضع كهذا. وهي تسعى بكثير من الصلابة والتشدد المعلنين، ومن البراغماتية خلف الكواليس، الى تلافي ارتكاب اي خطأ في استعمالها الاوراق التي تملك في المنطقة وتاليا الى الحصول على ما يكرس شرعية نظامها دوليا ودورها اقليميا من دون خوض مغامرة عسكرية مجهولة النتائج او معروفة النتائج. وينطلق "الكثيرون" اياهم من هذا التحليل ليقولوا ان الوضع في المنطقة، انطلاقا من الحرب الدائرة على لبنان، لن ينفجر على نطاق واسع او شامل. وقد يكون هذا القول صحيحا. لكن قبوله وتجاهل اي قول آخر وتاليا اي احتمالات اخرى يكون كدفن النعامة رأسها في الرمال، وذلك بسبب اختلاف الحسابات بين الاعداء والاصدقاء والحلفاء، وبسبب عجز اي من اطراف الصراع في المنطقة والعالم عن وضع نفسه مكان الآخرين وتاليا معرفة طريقة تفكيرهم ومشكلاتهم وهواجسهم ومخاوفهم، وهو هذا العجز الذي جعل اميركا تفشل حتى الآن في فهم العرب والمسلمين وفي الاعتراف بان الحق معهم في بعض ما يطرحون، وهو الذي جعل العرب والمسلمين يفشلون في التعاطي مع اميركا والغرب. ما هي انعكاسات نجاح اسرائيل في القضاء على الخطر المصيري الذي يشكله لبنان رأس الحربة في الصراع العربي والاسلامي معها على لبنان؟ وما هي انعكاسات فشلها؟ انعكاسات النجاح الكامل، رغم استياء كثيرين في الداخل والخارج له قد تكون اقفال جبهة الصراع العسكري بين اسرائيل ولبنان رأس الحربة للراديكاليين العرب والمسلمين الذين تقودهم ايران الاسلامية، ولكن من دون دخول مرحلة السلام بين البلدين. وقد تكون تعزيز فرص قيام دولة في لبنان يخضع الجميع لها. لكن هذه الإنعكاسات قد تكون ايضا عدم استقرار، وربما فتنة لان المقاومين لبنانيون ولان فشلهم او انكسارهم سينعكس على جمهورهم رغم كل التكاذب المعروف عن الشعوب اللبنانية، ولانهم لن يسكتوا عن ذلك طال الوقت ام قصر. وقد تشجع على عدم الاستقرار هذا ميوعة القرار الدولي المنتظر كونه سيكون نتيجة تسويات والتقاء مصالح واستمرار السلاح في ايدي المقاومين اللبنانيين، وهو امر لا يخفونه. واحتمال الصدام اولاً مع القوة الدولية، وثانياً مع "الدولة اللبنانية"، واخيرا ربما مع الاشقاء اللبنانيين لا سمح الله. اما انعكاسات فشل اسرائيل في القضاء على خطر "حزب الله" المصيري، وتاليا على خطر حلفائه الاقليميين، فكثيرة ابرزها بقاء لبنان في حال حرب فعلية مع اسرائيل تقوى وتشتد وفقاً للظروف والامكانات وتحوله "قاعا صفصفاً" بسبب الخراب. اما على الصعيد السياسي فان ابرز النتائج سيكون قيام دولة المقاومين في لبنان اي "دولة حزب الله" المستندة الى حلفاء محليين متنوعي الانتماء الطائفي كما الى حلفاء اقليميين. ودولة كهذه لن تكون مشروع حل طويل الامد. في حين ان دولة لبنان التي تمثل كل الشعوب اللبنانية فعلا، وليس قولا، هي وحدها الحل، علما ان دولة الحزب لا بد ان تحظى برعاية اقليمية مهمة، ولا بد ان يمنع راعيها الاقليمي الاكبر حلفاءه الاقليميين من التعاطي معها على النحو الذي تعاطوا مع لبنان على مدى عقود. وهي قد تصبح حقيقة فعلية اذا عادت اميركا الى براغماتيتها بعد سنوات ست من الايديولوجية، واذا استعملت ايران جيدا براغماتيتها المعروفة التي غلفتها دائما بالراديكالية السياسية والدينية، واذا رأت اسرائيل ان مصلحتها تكمن في خيارات كهذه. وهذه الـ"اذا" لا تبدو متوافرة حاليا. في النهاية نحن لا نحرّض هنا على "حزب الله" وجمهوره من خلال اخافة الشعوب اللبنانية الاخرى منهما. لكننا نلفت الجميع الى ان في السياسة لا شيء مستحيلاً، والى ضرورة تلافي اي اقتتال داخلي ايا تكن المغريات او الأخطار.