ليس من باب المصادفات أن تشن إسرائيل حربا على لبنان، هي الأشرس والأعنف والأكثر همجية في تاريخ حروبها، مسقطة حمم طائراتها بالأطنان على المدنيين العزّل في المدينة، والقرية، والزقاق، والملجأ، والسيارة، وحتى سيارة الإسعاف، بينما تتقدم الولايات المتحدة بكل صلافة وعجرفة بمشروعها للشرق الأوسط الجديد، وهو المشروع الأشد إجحافا، والأشرس أنيابا، والأبعد أطماعا في الهيمنة المطلقة على هذا <الشرق الأوسط>. وليس من باب المصادفات أن تجد إسرائيل وللمرة الأولى من يصدها، ويردها على أعقابها، ويمطرها بالصواريخ، في أعماق مدنها، وثكناتها العسكرية، اليوم بعد اليوم، والأسبوع بعد الأسبوع، حتى تخطى عمر هذه الحرب الأسطورية عمر كل الحروب الإسرائيلية الخاطفة، التي اعتادت إسرائيل شنها ضد العرب. أي حرب هذه التي نعيشها اليوم؟ نحن نعيش معارك ومجابهات لم يحصل مثلها في أي مكان أو زمان، بين دولة تمتلك الترسانة الأكبر والجيش الأقوى في المنطقة، مع دعم مطلق من قبل الدولة الأقوى في العالم، وبين مجاهدين شرفاء يمتلكون إيمانا مطلقا، وشجاعة بلا حدود، وتدريبا يقارب في تخطيه الصعوبات المرئية والخفية أبعاد المستحيل، وقيادة هي الأمثل حكمة وفكرا وتخطيطا ومقدرة فائقة على السير على الخطين الاستراتيجي والميداني، وبلا هوادة. وماذا عن نوعية هذه الحرب؟ أهي حرب مفتوحة في فضاء لبنان كله ومن بحره كله؟ أم حرب محدودة جدا وفقا لمقياس <ريختير> الإسرائيلي؟ كلما تقدمت قواته الضاربة أمتارا في مارون الراس توسعت الدائرة في اتجاه الحرب المفتوحة، وكلما تراجعت قواته صرح وزير الدفاع الإسرائيلي بأنهم أساسا لم يخططوا لحرب برية!! وزمان الحرب وتصنيفها؟ أهذه هي الحرب العربية الإسرائيلية السادسة؟ أم الحرب اللبنانية الإسرائيلية الخامسة؟ أم الحرب التمهيدية لشرق أوسط جديد؟ إذا استمعنا إلى تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية كوندليسا رايس، ما كان أمامنا غير السيناريو الأخير، أي الحرب. فالوزيرة الأميركية هي التي بشرتنا بشرق أوسط جديد!! كم هي متسرعة في تصريحاتها، وكم هي لاهثة لقطف ثمار هذه الحرب، وهما منها ومن رئيسها، بأن الزمان لا يتغير، والبوصلة لا تتحرك، والشعوب تبقى أبد التاريخ أدوات بأيدي حكامها وأسياد حكامها. فهذا الشرق، كما كان محكوما عليه منذ الحرب العالمية الأولى، بالانصياع الأعمى للدول العظمى، فهو ما زال كذلك، حتى بعد نحو ثلاثة أرباع القرن، لكن <السيد> تغير، فأصبح <الدولة العظمى والوحيدة>، منذ نهاية الحرب العالمية الثالثة. بكلمات مبسطة، إن زمن الديموقراطية الذي تبشر به الولايات المتحدة، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، ما هو إلا زمن الحرب العالمية الرابعة التي تشنها هي نفسها ضد كل من يخالفها، وهذا بغض النظر عن أدوات حربها، وأسلحتها، وأساليبها. لم توضح رايس بعد مفهوم الشرق الأوسط الذي تعنيه، لكن غيرها أوضح ذلك، أو سبق له أن أعلن عن ذلك؛ وربما هناك في الجعبة الأميركية أكثر من خريطة للشرق الأوسط، وخصوصاً، أن الاختلافات قائمة أساساً بين المؤسسات الأميركية المعنية نفسها؛ غير أن ما بين أيدينا مشروعا واحدا، وإن كنا نحكم عليه بالفشل مسبقاً، غير أنه لا بد من طرحه ومناقشته، للتعرف على طبيعة التوجهات الأميركية، وحقيقة نظرتها ال<ما بعد كولونيالية> إلى شعوب المنطقة. من هو رالف بيترز؟ صاحب المقال الذي يطرح مشروعا لتقسيم الشرق الأوسط في ظل الهيمنة الأميركية، يدّعي أن هذا التقسيم من أجل شرق أفضل، وهو يدعى رالف بيترز، ضابط متقاعد في الجيش الأميركي، يحمل رتبة مقدم، وقد عمل عشر سنوات من حياته العسكرية في الاستخبارات العسكرية الأميركية في ألمانيا، وعنوان مقاله <حدود الدم: ما هو شكل شرق أوسط أفضل؟>، وقد نشره في مجلة القوات المسلحة الأميركية في عدد حزيران ,2006 مرفقاً مع خريطتين بعنوان <إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط>، والأولى عنوانها الفرعي <من قبل>، والثانية <ما بعد>، وهذه الثانية خريطة الشرق الأوسط <الجديد>. لو قرأتُ مثل هذا المقال قبل عشرين سنة، لسخرت من خيال صاحبه، ومن أسلوبه الذي ينضح علانية بدهاليز الاستخبارات والمصالح الامبريالية العليا؛ فلا التاريخ هو التاريخ، ولا الجغرافيا هي الجغرافيا؛ ولا أدعي أنني كنت سأضع مثل هذا المقال في سلة المهملات، فواجبي كوني مؤرخة يقتضيني الاحتفاظ به في أحد الملفات. لكن ليس أكثر. وقد أعود إليه عند الكتابة عن <الشرق الأوسط> ذات يوم. غير أننا اليوم نعيش في عصر الإنترنيت والبريد الإلكتروني، فما أشاهده وأقرأه يومياً من تبادل ونشر لهذا المقال يدعو إلى الهلع، ليس من المقال السخيف حقاً، لكن من تصديق القراء العرب له، ومن رفع بعضهم له إلى مرتبة <التقرير> الأميركي الذي لا يرقى إليه الشك. الحقيقة أن المعلومات الواردة في المقال من تقسيم للأراضي بأسهل مما يمكن تقطيع قالب الجبن، هي المعلومات ذاتها التي نشرها الكاتب في كتاب له بعد أسابيع معدودة من نشره المقال؛ ففي العاشر من تموز ,2006 صدر كتابه الأخير الذي نصح فيه شعبه الأميركي وقيادته العسكرية بألا يتركوا ساحة الحرب في العراق، ولذلك وضع عنوانه: <لا تتركوا المعركة أبدا>. ولا شك في أنه أمر لافت للنظر هذه الهرولة لإصدار المقال والكتاب، لكن الشيء الأهم هو نظرة الأميركيين أنفسهم إلى المشروع الذي يطرحه الكاتب لمستقبل الشرق الأوسط. الواقع أن هناك تناقضا في نظرة أبناء بلده له، فبعض النقاد يشير إليه باهتمام مبالغ فيه، وعلى أنه أهم مفكر استراتيجي <أوريجنال>، وأنه يفترض بالمقيمين في البيت الأبيض، أن يقرؤوا له، ويستفيدوا من مشروعه!! غير أن هناك آخرين يعتقدون بأن كتاب رالف بيترز ليس سوى <بالون اختبار>، وهو من <وحي> الاستخبارات الأميركية، فأي فضل هناك للكاتب؟ والحق إنه يوجد عدد من الكتاب الأميركيين الأحرار في هذا الاتجاه، وقد أجابني صديق منهم في رسالة إلكترونية بأنه فوجئ بالاسم لما سألته عنه، ولما راح يبحث عنه في الإنترنت فوجئ أكثر بأنه يوجد لصاحب هذا الاسم العديد من المؤلفات. وعقب صديقي بأنه لا يعقل أن يكون المدعو برالف بيترز، هو صاحب مؤلفات جيدة وبهذه الكمية، وألا يكون قد سمع به بعد، لا هو، ولا العديد من زملائه الكتاب الذين سألهم. وأجابتني صديقة أخرى بأن نشر مقال خطير كهذا في مجلة عسكرية بهذا الوزن، يعني أن المشروع ليس مشروع الكاتب، بل مشروع من وراء الكاتب. كل من يبحث عن المقدم المتقاعد رالف بيترز سرعان ما يكتشف أنه روائي أيضا، نشر أربع عشرة رواية نصفها باسمه المعلن، نصفها باسم مستعار هو أوين باري. ورواياته كلها مستوحاة من سجلات الاستخبارات، كذلك نشر الكثير من المقالات السياسية في المجلات العسكرية، وخمسة كتب، كان آخرها <تحفته> التي تضمنت نصائحه بعدم التخلي عن العراق، وتقسيم الشرق الأوسط. مشروع تقسيم الشرق الأوسط من دون مقدمات، ومن دون توقف عند الأسلوب المتهكم والمتعجرف لصاحب المقال، أطرح أدناه موجزا لمشروع التقسيم الوارد في المقال، والمرفق بخريطتين، أما الأدلة على استحالة تنفيذ المشروع، فتأتي لاحقا. ينطلق المشروع من اعتبارات الظلم الفادح الذي لحق بالأقليات حين تم تقسيم الشرق الأوسط سابقا (يقصد سايكس بيكو في الدرجة الأولى)، مشيرا إلى هذه الأقليات بأنها الجماعات أو الشعوب التي خدعت حين تم التقسيم الأول، ويذكر أهمها: الأكراد، والشيعة العرب. وهو يتوقف أيضا عند مسيحيي الشرق الأوسط، والبهائيين، والإسماعيليين، والنقشبنديين؛ وأما الأرمن فيشير إلى أن المذابح الجماعية التي تعرضوا لها، لا يمكن أن يعوض عنها بمساحة من الأرض. وينطلق المشروع أيضا من افتراض وجود كراهية شديدة بين الجماعات في المنطقة تجاه بعضها البعض، لذلك فمن أجل أن يعيش الشرق الأوسط في سلام، يجدر أن يعاد تقسيمه انطلاقا من ديموغرافيته القائمة على الأديان والمذاهب والقوميات والأقليات. إسرائيل: يبتدئ الكاتب بإسرائيل إكراماً للقراء الأميركيين الذين تعنيهم إسرائيل قبل كل شيء، فيقول بأن على إسرائيل من أجل أن تعيش في سلام مع جيرانها، أن تعود إلى حدود ما قبل ,1967 مع تعديلات أساسية مشروعة لا بد منها من أجل أمن إسرائيل. ولا يشير المخطط إلى القدس المحتلة نفسها، بل إلى الأراضي ما حول القدس، ويقول إنه ما دامت المدينة يعبق تاريخها بالدم، وهي متنازع عليها، فمشكلتها لن تحل في <حياتنا> كما يقول، لذلك فهو يترك هذه المشكلة للمستقبل. <فلسطين>: (المزدوجان من عندنا). لم يرد أي ذكر في النص لفلسطين، كما أنه لم يرد شيء عن <السلطة الوطنية>، أو <الفلسطينيين>، أو <اللاجئين الفلسطينيين>، أو <قطاع غزة>، ناهيك عن <أريحا أولاً>، ولا حتى عن الضفة الغربية. لكنه للأمانة ورد ذكر كلمتي <الضفة الغربية> فقط في آخر قائمة الخاسرين، فالكاتب إثباتا لأكاديميته، نشر في نهاية المقال قائمة عنوانها <من يربح، من يخسر>، وفي نهاية قائمة الدول التي تخسر، تظهر كلمتا الضفة الغربية، لكن لا شرح في نص المقال لماذا تخسر الضفة الغربية!! غير أن الخريطة المرفقة الثانية يمتد فيها سهم من موقع الضفة الغربية ليكتب في نهاية السهم: <الضفة الغربية: وضعها لم يتقرر بعد>. الدولة الكردية: الظلم الفادح الأكبر يقع كما يقول الكاتب ما بين جبال البلقان والهملايا، مع غياب دولة كردية مستقلة. إن عدد الأكراد ما بين 27 مليونا و36 مليونا (كما ورد)، وهنا يلوم الكاتب الولايات المتحدة وحلفاءها لأنهم فوتوا فرصة ذهبية كانت تقتضي إعلانهم استقلال الدولة الكردية مباشرة بعد إسقاط نظام صدام حسين. وهو يضيف إلى أكراد العراق أكراد تركيا، فخمس مساحة شرقي تركيا اعتبرها أرضاً محتلة ويجب إعادتها الى الأكراد. أما الأكراد في سوريا وإيران فلا شك في أنهم سوف يهرعون للانضمام إلى كردستان الحرة فيما لو استطاعوا، لكن من دون الإشارة إلى كيفية حصول ذلك. وينتهي الكاتب إلى إقرار ما يلي: إن كردستان الحرة، التي تمتد من ديار بكر عبر تبريز، سوف تصبح من بين الدول القائمة بين اليابان وبلغاريا، أكثر دولة مؤيدة للغرب. العراق: يُقسم العراق إلى ثلاثة أجزاء، ففي الشمال تقوم الدولة الكردية، وفي الجنوب الدولة الشيعية، وفي الوسط تبقى المحافظات الثلاث التي معظم سكانها من السنة، وفي خيال صاحب المخطط، أن يختار السنة مع الزمن الانضمام إلى سوريا. سوريا ولبنان: سوريا تخسر الكثير كالعراق، فصاحب الخيال المجنح رالف بيترز يقص الساحل السوري ببساطة، ويقدمه هدية إلى <لبنان الأكبر>، غير أن لبنان هذا لن يكون شبيها بلبنان اليوم، فالمطلوب منه أن يتحول إلى بلد ذي انتماء متوسطي (نسبة إلى البحر الأبيض المتوسط)، وهكذا تولد فينيقيا من جديد (كما ورد). الأردن: يحتفظ الأردن بأراضيه، وتضاف إليه أرض من شمالي السعودية. الأردن من البلاد ذات الحظ السعيد وفقا لأهواء المقدم المتقاعد رالف بيترز. ومن الخفي الجلي أن مستقبل الضفة الغربية، أو أبناء الضفة الغربية سوف يرتبط بالأردن. السعودية: يصفها الكاتب بأنها دولة غير طبيعية، ويتحمس كثيراً لمصير مدن مكة والمدينة المنورة، مقترحاً أن تقتطع هذه من السعودية كي تنشأ فيها <دولة إسلامية مقدسة>، على رأسها مجلس يترأسه بالتناوب أحد ممثلي الحركات والمدارس الإسلامية الرئيسية، أي أن يكون المجلس نوعاً من <فاتيكان إسلامي أعلى>، كما يقول. ويقترح الكاتب، إضافة إلى الأرض المقتطعة من شمالي السعودية إلى الأردن، أن تقتطع أرض من جنوبي البلاد كي تضاف إلى اليمن، وأما شرقي البلاد فلن تسلم أيضا من المقص، إذ تقتطع منها حقول النفط لمصلحة دولة شيعية. إيران: يفترض أن تخسر إيران وفقاً لهذا المشروع الجهنمي الكثير من أراضيها لصالح أذربيجان الموحدة، وكردستان الحرة، والدولة الشيعية العربية، وبلوخستان الحرة، لكنها تكسب أراضي من أفغانستان حول حيرات. ويطرح الكاتب تصوره بأن إيران سوف تصبح في النهاية بلدا اثنيا فارسيا من جديد، لكن يبقى السؤال الصعب فيما إذا كان يفترض فيها أن تحتفظ بميناء بندر عباس، أو تسلمه الى الدولة الشيعية العربية (كما ورد). أفغانستان: ما تخسره أفغانستان غربا لصالح الدولة الفارسية (التعبير كما ورد)، تكسب مقابله من جهة الشرق أراضي تقتطع من الشمال الغربي لباكستان، حيث توجد قبائل من أصول أفغانية. وهنا يقول بيترز متكلما بصيغة الجمع <نحن لا نقوم برسم خرائط كما نريدها نحن، لكن وفقاً لرغبات شعوب المنطقة>. ثم يعود ليطلق على باكستان الوصف ذاته الذي أطلقه على السعودية، بأنها دولة أخرى غير طبيعية، ولذلك سوف يقتطع منها قسم كبير لتنشأ عليه دولة بلوخستان الحرة. الإمارات: أطلق عليها اسم <الدول المدينية> (تشبها بالمدن اليونانية قديما)، وهذه لن يكون قدرها كلها واحداً، بعضها قد يُدمج مع الدولة العربية الشيعية التي تلتف حول <الخليج الفارسي> (كما ورد)، ثم يشرح الكاتب المقصود أو المطلوب من الدولة الشيعية العربية. فالهدف منها، كما يراه، أن تتطور قوة توازُن مقابل <الدولة الفارسية>، لا حليفا لها. أما دبي، فيتكرم عليها بالسماح كي تبقى مسرحا للأغنياء الفاسقين (كما ورد)، وأما عمان والكويت، فتحتفظ كل منهما بأراضيها. ينتهي الكاتب إلى أن تعديل الحدود بناء على رغبات الناس قد يكون مستحيلاً، لكنه من الممكن أن تنشأ حدود جديدة مع الزمن، وراح يستشهد بمثل بابل قائلاً بأن بابل قد سقطت أكثر من مرة. ويقول الكاتب إنه في هذه الأثناء <يستمر جنودنا، رجالا ونساء، في الحرب من أجل الأمن والسلام ضد الإرهاب، من أجل فرصة نشر الديموقراطية، ومن أجل حرية الوصول إلى منابع النفط في منطقة مقدر لها أن تحارب نفسها>. وبعد شرح خاطئ جداً لأوضاع <المنطقة>، يصل في استنتاجه بأن العالم مشحون في أيامنا بفيض من الإرهابيين وبقلة في منابع النفط، والتشويهات القائمة اليوم في الشرق الأوسط تنذر بما هو أسوأ. وهكذا في منطقة حيث لم يسيطر على زمام الأمور فيها يوماً غير أسوأ مظاهر القومية، وحيث يهدد فيها اليوم أكثر المظاهر الدينية تعنتاً بالسيطرة على العقيدة المحبطة، فالولايات المتحدة وحلفاؤها يجدر بهم عدم مغادرة العراق قبل الأوان، وذلك لأن سائر بلدان المنطقة تعج بالمشكلات الأكثر سوءا وعلى كل الجبهات والأصعدة تقريبا. وينتهي الكاتب إلى أن تعديل حدود الشرق الأوسط الأكبر، بناء على روابط الدم الطبيعية والعقيدة الدينية، ضرورة ملحة لحقن الدماء!! ومن هنا مسؤولية الولايات المتحدة وحلفائها!! ملاحظات ليست عابرة التناقضات كثيرة في هذا المشروع الجهنمي، وهي مصحوبة بجهالة عمياء، أو بتجاهل أعمى، لطبيعة المنطقة وتاريخها، ونشير أدناه إلى أبرز هذه التناقضات والأحكام والاستنتاجات، التي تشير بدورها إلى أن واضعي هذا المخطط في واد، وشعوب المنطقة وتاريخها في وديان أخرى. أولا: هناك تناقض بارز بين ما تمارسه الولايات المتحدة في بلادها، وما تسعى الى تطبيقه خارج بلادها. هذا مخطط قائم علنا، وبوضوح، وباعتراف الكاتب، على تقسيمات قائمة في الدرجة الأولى على الأديان والمذاهب والأقليات، وذلك كله بحجة <لم الشمل>. أين هذا من قوانين الولايات المتحدة؟ ومن مجتمعاتها؟ حيث يوجد أكبر خليط من قوميات العالم، وكلهم أميركيون؟ أين هذا من إدانة رب العمل الأميركي إن تجرأ وسأل طالب العمل: ما دينك؟ أليس من واجب الدولة العظمى التي تجيئنا باسم الديموقراطية أن تعلمنا ديموقراطيتها؟ وكيفية ممارسة حريات المعتقدات لديها؟ ثانيا: من دواعي هذا المشروع (وبناء على ما ورد فيه وليس استنتاجاً)، سوء التقسيم الذي قام به مارك سايكس وجورج بيكو قبل ثلاثة أرباع القرن، لكن <الشرق الأوسط الجديد> كما يبشروننا به قائم على النهج ذاته، بل على صورة أشد تعنتا وطمعا، وفي النص اعتراف صريح بأولوية مصالح الدول الكبرى. ولا ننسى أن عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى خجلت من كلمة <استعمار> فاستعملت بديلاً منها كلمة <انتداب>. أما المشروع الذي وصلنا عن طريق ضباط السيد بوش فهو <ما بعد امبريالي> بامتياز. واقع الأمر أن مشروع <الشرق الأوسط> الجديد هذا أكثر سوءا بكثير من مخطط سايكس بيكو، ليس بسبب كثرة عدد الدول المتضررة، وبالتالي مساحاتها الكبيرة فقط، لكن بسبب التمادي في الأهداف الامبريالية إلى حد لا يوصف، فهذا مشروع أشبه بالصواريخ عابرة القارات، مقارنة ب<منجنيق> سايكس بيكو. مع التأكيد على أن الهدف الرئيسي واحد، ألا وهو القضاء على تاريخ المنطقة، وتطلعات شعوبها، وقومياتها، وكرامتها، وعنفوانها. ثالثا: كان اختراع تسمية <الشرق الأوسط> أساساً للتعمية على المسمّيات الطبيعية النابعة من طبيعة المنطقة وتاريخها، ومنها: المنطقة العربية؛ الوطن العربي؛ العالم العربي؛ الدول العربية؛ الخلافة الإسلامية، وهي التسمية التاريخية التي كانت ما تزال معروفة في نهاية العهد العثماني. لذلك فإن اختراع تعبير <الشرق الأدنى>، والذي تلاه، تعبير <الشرق الأوسط>، كانا من البداية اختراعاً استعمارياً هدفه الأول استيعاب <إسرائيل> في المنطقة، وبالتالي القضاء على كل الأحلام بالوحدة العربية، ناهيك بالوحدة الإسلامية، لضمان الهيمنة الاستعمارية. فهل يختلف مشروع <الشرق الأوسط الجديد> المعروض أمامنا عن ذلك؟ نعم، يختلف، بحكم الأحادية التي تتمتع بها الولايات المتحدة، ولا عبرة للدمى المتحركة من حولها، أي حلفائها. رابعاً: عند التمعن في الخريطتين، والدول التي سوف تكسب، والدول التي سوف تخسر (تعبيرا الكسب والخسارة للكاتب)، تظهر الصورة جلية، فالتقسيم قائم على التبعية السياسية بلا حدود. فالدول الأكثر تبعية، أو المتوقع من إنشائها أن تكون تابعة للدولة الكبرى الأميركية المهيمنة نالت أراضي جديدة، وامتيازات جديدة، أما الدول التي تجرؤ على قول <لا>، أو التي يتوقع منها أن تجرؤ على قول <لا>، فيجب محوها من الخريطة، أو تقليص حجمها. خامساً: بالنسبة إلى إسرائيل، هذا هو المشروع الوحيد الذي وصل حدود إلغاء فلسطين من الخريطة ومن الوجود ومن التاريخ، فضلاً عن أنه ما اكتفى بإلغاء تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي فحسب، بل أقدم على إلغاء تاريخ <السلام> الحديث والمطروح منذ مؤتمر مدريد. لا حرب ولا سلام. المشروع ينطلق من واقع وجود واحد على أرض فلسطين، هو وجود إسرائيل، لا شعب فلسطيني هناك، ولا بقايا شعب، ولا حتى مجرد <فلسطينيون>، أو <لاجئون>. وفي هذا التجاهل الأعمى، لما يجري على أرض فلسطين، وما يتهدد شعبها، يكمن الانفجار المقبل على الطريق. سادسا: لبنان الذي قد يبدو رابحا بالنسبة إلى المقدم رالف بيترز ورؤسائه، هو الخاسر الأكبر. وهنا مثل على الجهل الفاضح لأصحاب المشروع، والذين يعتقدون أنه بالقوة وحدها، يمكنهم فرض الخرائط والتقسيمات والحدود. فعن أي فينيقيا يتحدثون؟ وكيف يتجاهلون أن الساحل السوري كان أيضا فينيقيا، فإذا جاز إعطاؤه للبنان تحت الشعار الفينيقي، لم لا يكون العكس مثلا، فيعطى لبنان إلى سوريا؟ أم أن المشكلة في الانتماء <النهائي> كما يريدون؟ من أوحى لأصحاب المشروع بأنه يسهل جر لبنان كله نحو اللاإنتماء؟ نحو البحر المتوسط؟ من أقنعهم بأن هذا البحر ما كان يوما سوى بحيرة فينيقية؟ ألم يقرؤوا في التاريخ أنه أطلق عليه منذ نهاية القرن السابع أو الثامن للميلاد، بحر المسلمين العرب؟ من المهين لتفكيرنا الاستمرار بالعرض العقيم هذا، وخصوصاً، أن هذه الأيام التاريخية التي نعيشها قالت لهؤلاء جميعاً من هو لبنان، ومن هو شعب لبنان، فهو شعب أصيل حضاري وله هويته، بل وأكثر من ذلك، إن هذه الأيام سوف تعيد خلط الأوراق كلها. سابعا: لا شك في أن احتلال القوات الأميركية <وحلفائها> للعراق، كان الضربة الأعنف لهذا البلد العريق الحضاري الأبي، لكن ما سوف تثبته الأيام، أن الوحل الذي تغوص به أقدام القوات المحتلة، هو بداية نهايتها في المنطقة. فالمارد الأميركي الذي يعيش أشد أيامه غطرسة وتسلطا، موهما نفسه بأن لا أحد في العالم بإمكانه أن يتحداه، فضلا عن الانتصار عليه، يتصرف وكأن كل بلد في الشرق الأوسط فيه صدام حسين، لذلك، فتجربة العراق هي النموذج، وسرعان ما تكر المسبحة!! ثامنا: مثل أخير عن الجهل الفاضح بالتاريخ والعقائد والأديان والتاريخ المعاصر للمنطقة، فعن أي إسلام ومسلمين يتحدث المشروع الجهنمي؟ من الواضح أن لا أحد من المتغطرسين هؤلاء درس التجربة الإيرانية بعمق، ولا السعودية، ولا المصرية (واضح استبعاد مصر هذه المرة عن الشرق الأوسط الجديد وهي التي كانت قلب شرق أوسطنا زمن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر)، فمن هم هؤلاء الذين سوف يتبادلون رئاسة <الدولة الإسلامية المقدسة>؟ من يختارهم؟ ومن يمثلون؟ وهل إذا جاءت نتيجة انتخابات أعضاء هذا المجلس على النقيض من توقعات السيد بوش، فهل يرضى؟ أم يتصرف بشهامة <الديموقراطي العريق> كما تصرف إزاء الانتخابات التي جاءت بحكومة حماس؟ مشروع محكوم بالفشل ما ناقشناه أعلاه مجرد رؤوس أقلام، نكتفي بها كوننا نعيش أياماً تاريخية فيها البرهان الذي لا يدحض على نوع القوة التي يمكنها أن تقف في وجه مشروع جهنمي كهذا، يحمل في عناوينه بذور القضاء عليه، فهو قائم على احتقار للشعوب لا يوصف، وعلى جهل فاضح بالمشاعر القومية، وبالإسلام، وتاريخ المنطقة. وننتهي حيث ابتدأنا، فليست مصادفة أبداً أن يقف حزب واحد، هو <حزب الله>، ويقول <لا> و<ألف لا> لإسرائيل والولايات المتحدة معاً. وليست مصادفة أبداً أن يكون أبناء الطائفة الشيعية هم طلائع المجاهدين في مقاومة الظلم والطغيان، بينما الشيعة في الدولة الشيعية أو الدول الشيعية المنتظرة على خريطة المشروع الجهنمي، لا يفترض فيهم إلاّ أن يكونوا هم السائرون في ركاب الولايات المتحدة. وليست مصادفة أبدا أن يتصدى المجاهدون في لبنان للهجمة الصهيونية وللهجمة <ال ما بعد إمبريالية الجديدة>، بينما لبنان هو المرشح ليكون العراق الثاني (مع الاعتذار لأهل العراق الأبي). بوادر الفشل الذريع لمشروع هذا الشرق الأوسط الجديد، أو أي مشروع آخر شبيه له، تنبع من سوء معرفة واضعيه (من أميركيين وصهاينة) بأوضاع المنطقة. فهل تفاجأوا بقوة <حزب الله>؟ هم إن تفاجأوا، فكل ما خططوا له يصبح سرابا؛ وإن لم يتفاجأوا، وكانوا يحسبون له الحساب، فإن تماديهم في الغطرسة إلى أبعد الحدود تسهل القضاء عليهم، وتوحد الساحة ضدهم. أما نحن في لبنان وفي فلسطين وفي الوطن العربي والعالم الإسلامي، فمنا من تفاجأ، ومنا من كان يتوقع، وأعترف بأني لم أكن من المتفاجئين كثيراً بقوة <حزب الله>، وبقدرة <حزب الله>، قيادة ومجاهدين، لكنني أعترف أنني فوجئت بالقرار، بالقرار الذي تفوق شجاعته حدود الوصف، قرار التصدي من دون الاستعانة بأحد، ومن دون انتظار عون من أحد. يا الله، في أي زمان نعيش نحن؟ نحن كعرب نعيش في عصر الانبهار، والانهيار. ما من مرحلة مرت في تاريخ العرب المعاصر، وكانت أوضاعهم أكثر سوءا مما هي عليه اليوم. فهل يقاوم <حزب الله> اليوم وحده عكس السير؟ عكس التيار المستسلم، والمنبهر، والمسلم مقاليد أموره للكبار من الدول الكبرى؟ تمكن <حزب الله> من قلب المقولة الشهيرة <قوة لبنان في ضعفه> إلى عكسها. تمكن <حزب الله> من تجاوز أصعب المفترقات، وهو المفترق ما بين المحلية والإقليمية، وما بين الشعب والأمة. تمكن <حزب الله> من تقديم البراهين القاطعة على أن المجاهدين المسلمين ليسوا إرهابيين، بل العكس من ذلك، فالصهاينة هم الإرهابيون. وبرهنت الأيام العشرون الماضية أن <حزب الله> ليس وحده حقاً في الميدان، فالتأييد العارم لمقاومة الاحتلال ما جاءت فقط من عواصم العرب والمسلمين، فقط، لكن أيضاً من عواصم الغرب والشرق، من كل الجماعات والأفراد أصحاب الضمائر. كنا نتحلق حول المذياع، في كل بيت وفي كل عاصمة من عواصم العرب، في 23 تموز ,1956 يوم أعلن عبد الناصر تأميم قناة السويس، وكان ذلك اليوم يوما مجيداً من أمجاد العرب. وكلما تكلم عبد الناصر، تجمعنا حول المذياع، او الترانزستور، أو التلفزيون فيما بعد. اليوم نتسمر جميعاً أمام شاشة التلفزيون، فلا نهمس بكلمة، ونكاد لا نتحرك، ونحن نكاد لا نصدق ما نسمع، هل نحن نستحق أن نعيش في عصر السيد حسن نصر الله؟ هل نستحق أن نموت؟ هل نستحق أن نولد؟ أمة حية على طريق الانبعاث الحقيقي، ما زالت طلائعها في الكمائن على حدود لبنان الجنوبي، وفي مخيمات اللاجئين في غزة ورفح، وكلها تهتف من أعماقها للسيد حسن نصر الله. نحن ابتدأنا نشعر بأننا في حمى مجاهدين أبطال، وزال منا الخوف على مصير الإسلام وعلى صورة المسلمين. عادت إلينا أيام الصحابة الأوائل، وابتدأنا نشعر بالأمان، وفي أحلام النهار بتنا نتجرأ على استعادة مشاهد التاريخ، ومنها مشهد الطريق الذي مر عليه صلاح الدين، ذات يوم من خريف العام ,1187 من حطين نحو القدس.