اتضح للجميع منذ يوم الثلثاء الماضي ان اسرائيل قررت اتباع التوغل البري المحدود والموقت في المنطقة الحدودية "اللبنانية المتاخمة لها" بهجوم بري كبير وعلى محاور عدة. لكن احدا لا يعرف حتى الآن، وخصوصا في العواصم الكبرى وفي مقدمها واشنطن، حدود هذا الهجوم الكبير واين يتوقف ومتى يتوقف. واتضح للادارة الاميركية، بعد اكثر من ثلاثة اسابيع على اندلاع الحرب، ان اسرائيل كانت وضعت خطة عسكرية للنيل من "حزب الله" ومقاتليه على نحو مباشر خلال مدة تراوح بين خمسة وستة اسابيع. ولكن يبدو انه لم يعد لديها متسع من الوقت لتنفيذ هذه الخطة، او بالاحرى لتحقيق غاياتها العسكرية والسياسية في آن واحد. الا انها رغم ذلك كله لا تزال مصممة على الحاق اكبر قدر ممكن من الضرر والأذى بالحزب وبنيته العسكرية والصاروخية في ما تبقى لها من الوقت. وهي مقتنعة بان حملتها العسكرية الجوية والحملات البرية المحدودة، حتى ما قبل يومين، كبّدت المقاومين وبنيتهم خسائر فادحة. ويشاطرها المسؤولون في واشنطن هذا الاقتناع. وقد يكون الهدف من ذلك، في رأي مصادر ديبلوماسية مطلعة بعضها اميركي، توجيه رسالة اسرائيلية الى عرابي "حزب الله" ورعاته وفي مقدمهم الجمهورية الاسلامية الايرانية تفيد انه لم يعد صالحا للاستعمال او التوظيف بمقاتليه وترسانته الصاروخية بسبب الاذى الذي اصابهم. ولن يغير هذه الحقيقة ادعاء "حزب الله" او اعلانه النصر بعد انتهاء المعارك، لان عرابيه ورعاته يعرفون مثله مقدار الضرر الذي لحق به رغم فشل اسرائيل في سحقه او تفكيكه. والاثنان كانا هدفين مباشرين ومعلنين لها عند نشوب الحرب. طبعا لا بد ان يثير تعديل الاهداف الاسرائيلية من الحرب بحيث صارت اكثر تراجعاً، الشعور بالفخر والاعتزاز والنصر في مرحلة من المراحل عند المقاومين والداعمين لهم من خارج لبنان. لكن هذا التعديل ليس نهائيا، اذ ان مجريات الحرب البرية التي بدأت هي التي ستحدد في النهاية اهداف اسرائيل منها. فاذا استمرت المقاومة على شراستها، واذا دفعت القوة المهاجمة ثمناً باهظاً، فان تعديل الاهداف يبقى ساري المفعول. اما اذا حصل تراجع ما او خطأ او انهيار في جهة معينة، فان الجيش الاسرائيلي سيسعى الى تحقيق انتصار "الضربة القاضية". وهذا امر ثابت في خطته الحربية. في اختصار تعتقد المصادر الديبلوماسية المطلعة نفسها ان حكومة ايهود اولمرت صارت تعرف انها عاجزة عن اقتلاع "حزب الله" من جذوره، او حتى تفكيكه، لكنها تعرف أيضاً انها بعد انتهاء الحرب خلال ستة الى عشرة ايام، وربما اكثر، تكون اوصلت الرسالة الى الايرانيين. لكن الجواب عن هذه الرسالة لا تمكن معرفته منذ الآن. ويلخص الاسرائيليون مضمون الرسالة باسئلة عدة ابرزها: هل ستستمر ايران في رعاية "حزب الله" او في تبنيه في الوقت الذي لم يحقق كل ما قدمته اليه من اسلحة وصواريخ الا ضرراً قليلاً، وان رافقه شيء من الترويع؟ وهذه الرسالة موجهة بدورها الى سوريا بشار الاسد، رغم اقتناع اسرائيل بان دورها في الحرب الحالية اقل بكثير من دور حليفها الاستراتيجي ايران لاعتبارات اخرى. يقول الاسرائيليون، استنادا الى المصادر نفسها دائماً، انه في ظل الوضع الصعب داخل لبنان واستحالة عودة النازحين من مناطق الحرب الى منازلهم وبيوتهم في وقت قريب، واستحالة اعادة بناء ما تهدم في سرعة، هل ستستمر ايران وسوريا في رعاية "حزب الله" وتزويده الاسلحة الممكنة للاستمرار في حرب لن يربحها، ولا بد ان تتسبب بالمزيد من البؤس للبنان؟ هل يتوصل المجتمع الدولي، من خلال مجلس الامن، الى وقف نار مع تسوية شاملة ، يحول تطبيقها دون عودة الحرب في لبنان واسرائيل؟ بعض هذا المجتمع بزعامة فرنسا يسعى إلى وقف فوري للنار، يليه بحث مستفيض وجدي في تسوية شاملة الا ان بعضه الآخر برعاية الولايات المتحدة يرفض ذلك ويصر على ربط وقف النار بتسوية كهذه. وهو يعرف ان ذلك قد يكون صعبا قبل انتهاء العمل العسكري البري الواسع الذي بدأته اسرائيل قبل يومين ويبلغ مداه الاقصى نهر الليطاني، رغم ان الموقف الرسمي يحدد هذا المدى بخمسة او بسبعة كيلومترات. وانطلاقا من ذلك فان هذا البعض الآخر لن يعطي الضوء الاخضر لقرار نهائي في مجلس الامن قبل انجلاء غبار المعارك ميدانياً. الا ان السؤال الذي يطرحه كثيرون منا هو ليس اذا كان سيصدر قرار دولي بوقف النار وباجراءات اخرى جذرية او اقل جذرية. بل هو: هل يقبل "حزب الله" القرار الذي سيصدر وينفّذ المطلوب منه فيه؟ وهو تحديدا: هل يدفعه رعاته الاقليميون، وفي مقدمهم ايران، الى قبوله وتنفيذه او الى رفضه؟ والسؤال مهم لان القرار في النهاية سيتضمن حزمة اجراءات ومواقف يمكن اما قبولها كلها، واما رفضها كلها. اذ ان الانتقاء من بينها سيكون مرفوضا. طبعا لا يستطيع احد معرفة الجواب عن السؤال المطروح هذا وعن اسئلة اخرى كثيرة. ولكن ما تعتقده المصادر الديبلوماسية الغربية المطلعة نفسها، وبعضها اميركي، هو ان رفض القرار الشامل سيعني ان الحرب ستستمر وإن بوتيرة اخف من وتيرتها الحالية، وسيجعل ذلك من الصعوبة بمكان اعادة بناء ما تهدم بل البلاد كلها واستحالة عودة النازحين. وعلى هذا فان "الحزب" ورعاته سيكونون امام خيارين لا ثالث لهما، اما قبول القرار الدولي والحل واما رفضه وتحمّل تبعات ذلك، علما ان القبول قد يكون، في رأي اسرائيل ومعها اميركا، هزيمة لايران بل لطموحها ان تتحول دولة مهيمنة في المنطقة او مهمة جدا. وهذا الامر قد لا ينطبق على اسرائيل وعلى تركيا وحتى على مصر.