عريب الرنتاوي

الدرس الأول المستوحى من الهمجية الإسرائيلية كما تبدت في الحرب على لبنان، أن العرب صغيرهم وكبيرهم، قريبهم وبعيدهم، ينبغي أن يتوفر على "قوة ردع" كافية لرد الصاعين صاعين للعدوانية الإسرائيلية القائمة والمحتملة، فالكيان الذي نهض على فكرة "لا أخلاقية" في الأساس، يقارف اليوم، كما ارتكب بالأمس، أبشع جرائم الحروب، بلا معايير ولا أخلاق، بلا قيم أو إنسانية أو ضمير.

أما الدرس الثاني، فيتجلى في الاستعداد الأمريكي الثابت والاستراتيجي، لتبني العدوانية الإسرائيلية مهما بلغت فظاعتها ودمويتها، دون أن تأخذ بنظر الاعتبار مكانتها كدولة أعظم وزعيمة للنظام العالمي الجديد، ومن دون أن تقيم وزنا لمصالح الآخرين أو حتى مصالحها معهم، فواشنطن في حرب 2006 هي ذاتها واشنطن في العام 1967: شريك أساسي ودائم في الحرب على العرب عندما تكون إسرائيل في الحندق المقابل.

حتى الدول الصديقة لواشنطن، بمن فيها تلك الدول "المسالمة" لإسرائيل، ليس لديها سوى الخيار ذاته، فربما يأتي يوم تشهد فيه هذه الدول ولادة قوى مقاومة، أصولية أو علمانية، برضاها أو بالضد من رغبتها، وعندها ستدفع هذه الدول أثمانا باهظة لاطمئنانها الفائض عن الحد والحاجة، لسلامها مع إسرائيل أو لصداقتها مع واشنطن.

والدرس الثالث المستخلص من بين ركام الجثث والأنقاض في لبنان من شماله حتى جنوبه....يتعلق بعملية السلام...فالعرب جربوا تقديم كل ما يمكن لهم تقديمه لطمأنة الدولة العبرية على أمنها ووجودها، بل وعلى حقها في الوجود والتفوق، وانتهوا إلى خطة أولمرت الأحادية والمجازر الأبشع في غزة ورفح وبنت جبيل وقانا...وقد آن أوان تجريب خيار القوة والردع، فإسرائيل لن تجنح للسلم إلا إذا أيقنت أن ثمن الاستمرار في العدوان، أعلى بكثير من ثمن الجلاء عن الأرض العربية والفلسطينية والاعتراف بالحقوق المشروعة للفلسطينيين والسوريين واللبنانيين.

والدرس الرابع، يتعلق بعلاقة الأنظمة والحكام بشعوبهم...ذلك أن إعادة صياغة هذه العلاقة وترميمها، لم تعد مطلبا للحفاظ على الأمن والاستقرار الداخليين فحسب، ولا متطلبا للإصلاح والدمقرطة فقط، بل شرطا وجوديا لديمومة هذه الأنظمة وبقاء الحكام على مقاعدهم...ولا يطمئنن أحد إلى سلامة وضعه الداخلي، ذلك أن كل براكين الأرض وشياطينها، تقبع تحت سطح الاستقرار الزائف والمخادع الظاهر حاليا.

أما الدرس الخامس، وغير الأخير، فيتصل باستحقاق المصالحات الوطنية المطلوبة، بين قوى المجتمعات العربية ومكوناتها المختلفة، من إسلاميين وعلمانيين، مسلمين ومسيحيين، سنة وشيعة، سلطات ومعارضات، على قاعدة الجوامع المشتركة المتجسدة في انفلات عدوانية إسرائيل وأحاديتها، وفي الدعم الأمريكي اللا أخلاقي لهذا الكيان.

قبل هذه الحرب المجنونة، كنا نسرد سلسلة من الأخطار والتحديات التي تجابه أمننا الوطني والقومي، بدءا من طهران وصولا إلى أولمرت مرورا بحماس وحزب الله وما بينهما، من دون أن نتوقف مليا أمام نوعية هذه التهديدات وأوزانها وإختلاف تأثيراتها.

أما اليوم، فقد آن الأوان للبحث عن المشتركات والجوامع مع من كنا ندرجهم في قائمة التهديدات والتحديدات، للتفرغ فقط لمواجهة التهديد الحاسم والاستراتيجي الكامن في تل أبيب، وبخلاف ذلك نكون قد فقدنا البوصلة.