عريب الرنتاوي

صور الملثمين الفلسطينيين المدججين بالأسلحة ومايكروفونات الفضائيات، باتت مثيرة للغثيان، بعد أن كانت حتى الثاني عشر من تموز مثيرة للحفيظة والاستفزاز...لكأن قادة الكتائب والألوية لم يتعلموا درسا واحدا من تجربة حزب الله، أو لكأن القتال البطولي، المحترف والمتواضع لمقاتلي هذا الحزب في الحرب الأخيرة، لم يفض سوى إلى زيادة شهية هؤلاء "للعراضات" والاستعراضات. طوال خمسة وعشرين يوما من القتال الضاري على مختلف الجبهات، لم يلفح مراسلو الصحف والوكالات والفضائيات المنتشرين بكثرة على امتداد الجنوب وبيروت والبقاع، في "اقتناص" صورة واحدة، لمقاتل من حزب الله، كما لم ينجح هذا الجيش من المراسلين في العثور على مركز أو قاعدة أو منصة لإطلاق الصواريخ، مع أننا في أزمنة حرب، وأي حرب؟

وما واجهه رجال الصحافة من عنت في الوصول إلى ضالتهم، واجهه أيضا الجيش الإسرائيلي على امتداد جبهات القتال وفي العمق، وباتت كلمة "أشباح" تتردد بكثرة على ألسنة الجنرالات والجنود، المراسلين والمعلقين الإسرائيليين، في وصف مقاتلي حزب الله ورجالاته. في المقابل، لم يتخلف واحد من قادة الكتائب والأولوية الفلس طينية، عن امتشاق البنادق الآلية والتمنطق بـ"شرشور" الرصاص المتدلي حول العنق والخصر، استعدادا للظهور أمام الكاميرا، والإدلاء بتصريحات "مزلزلة" ومتوعدة، ومن خلفه كما تقتضي ضرورات الزعامة وهيبة القيادة الميدانية، رهط من المريدين والأتباع الموشحين بشعارات الكتائب والأولية والأذرع واللجان، الحانقين والمتوعدين كذلك.

ومما نعرف عن غزة، فإن هذه "العراضات" والاستعراضات، لا تعد خصيصا لمواجهة الصحافة والفضائيات، بل أصبحت "نمط حياة وسلوك" يصاحب هؤلاء في حلّهم وترحالهم، تماما مثلما كان يحدث في لبنان قبل العام 1982، عندما كانت الآليات الثقيلة المزودة برشاشات "م/ط 37 ملم"، تستخدم للوصول إلى أية بقالة أو دكان لابتياع علبة سجائر أو لشراء بعض الحاجيات.

لا يكفي هؤلاء أن يتسابقوا على عدسات الكاميرات للتعبير عن التضامن والتأييد لحزب الله ومقاومته المسلحة...عليهم أولا وقبل أي شيء آخر، أن يتعلموا بعضا من دروس المقاومة اللبنانية، فالسيد حسن نصر الله شخصيا، أكثر تواضعا من أي من "أبوات" الأذرع والكتائب والأولوية، وأشباح" حزب الله باتت عصيّة على طائرات "الشبح" والـ"MK"، ولو أن الوقت الذي يخصصه هؤ لاء "الأبوات" للإعلام والاستعراضات البائسة، خصص لتعلم دروس التمويه والإخفاء والاختفاء وتعليمها، لتحوّلوا إلى أشباح تقض مضاجع إسرائيل.

يكفي أن نقارن بين مفاجآت حزب الله وحسن نصر الله في الحرب الأخيرة من جهة، وسيل التصريحات وطوفان البيانات عن صواريخ القسام والأقصى والسرايا من جهة ثانية...إسرائيل بإجماع المراقبين لم تكن تتوقع ما حدث حتى في أسوأ كوابيسها، من ضرب البارجة إلى الصواريخ متوسطة المدى، لكنها في الحالة الفلسطينية ليست بحاجة لأن تبذل أي جهد من أي نوع، فالضجيج حول الصواريخ الفلسطينية علا على أصوات انفجاراتها وسبقها، حتى عندما كانت هذه الصواريخ لا تقتل إلا مطلقيها، وقبل أن يتجاوز مداها البضعة كيلومترات.


القائمة البريدية لمركز القدس للدراسات السياسية www.alqudscenter.org