دمشق ­ «الكفاح العربي»:

بعد اجتماع وزراء الخارجية العرب في بيروت, عادت احتمالات دخول سوريا في حل للأزمة, أو المساهمة السياسية في وقف الاعتداء الإسرائيلي على لبنان تتراجع, فالمواقف التي اتخذتها سوريا خلال الاجتماع, جوبهت بفتور, ان لم يكن بالرفض. وكان وزير الخارجية وليد المعلم قد زار لبنان بزخم عال لتجاوز الخلافات لمصلحة نصرة لبنان, وصرح بأنه مستعد ليكون في صفوف المقاومة, لكنه وجد نفسه وحيداً في هذا الموقف, بعدما رفض الوزراء العرب توجيه تحية لـ«لبنان المقاوم» في البيان الختامي. هذا الموقف شكل مؤشراً واضحاً على رغبة عربية في عزل سوريا, وإخراجها تماماً من دائرة الحل, رغم تأكيد سوريا بأنها لن توافق إلا على ما يجمع عليه اللبنانيون. وليس خافياً ان دولاً عربية حاولت عبر طرف لبناني تنشيط حملة علاقات عامة دولية للحد من أي دور سوري, بالترويج بأن سوريا تتطلع الى العودة الى لبنان عن طريق دعمها لـ«حزب الله» والمقاومة اللبنانية, ودخولها في أي حل يهدف إلى ذلك, ولا سيما إعلان رفضها لـ«المشاريع السياسية الأميركية لإنهاء الأزمة» والتي اعتبرها الرئيس السوري بشار الأسد في مكالمة هاتفية له مع نظيره الإيراني أحمدي نجاد الأسبوع الماضي «أحادية الجانب وتخدم مصالح الكيان الصهيوني» مضيفا ان «انتشار قوات دولية بصلاحيات واسعة في لبنان سيؤدي الى انتشار الفوضى في هذا البلد».

جاء ذلك بعد إشارات سورية عدة عن الاستعداد التام لدخول الحرب في حال أي اعتداء على الأراضي السورية, في المؤتمر الصحفي الذي عقده الوزير المعلم في بيروت قبيل اجتماع الوزراء العرب, قائلاً: «أهلاً بالحرب الإقليمية» معبراً عن الاستعداد للحرب في حال دفع المجتمع الدولي نحو تصعيد الأزمة ولم يرغب بوضع حلول مناسبة للقضايا كافة, والمقصود رزمة حلول لا تستثنى منها القضايا المتعلقة بسوريا, إلا أن النتائج التي أسفر عنها اجتماع الوزراء العرب, كشف عن ميل القوى العربية الرئيسية €السعودية ­ مصر€ الى الجانب الأميركي في عزل سوريا, وكسر محور الممانعة, لدرء النفوذ الإيراني في المنطقة, خصوصا أن شكوى السعودية من هذا النفوذ في العراق تزايدت على نحو ملح في الأشهر الماضية, وقد وجدت المملكة السعودية في القرار الأميركي القضاء على «حزب الله» فرصة لمواجهة المد الإيراني, ليكون الانحياز السعودي ­ المصري معلناً للصف الأميركي الدولي لتحقيق هذا المطلب المرحلي, بالتضحية بلبنان وسوريا, تحقيقاً للتوازن مع الوجود الإيراني في العراق, رغم ما تنطوي عليه هذه القراءة من تداعيات خطيرة وكارثية على المنطقة كاملة بما فيها السعودية ومصر, والتي بدأت بشائرها تلوح في الشارع السعودي والمصري الرافض للعدوان على لبنان وتكرار التجربة العراقية المريرة. كل تلك التطورات الى جانب شروع إسرائيل بتوسيع العمليات العسكرية البرية, يدفع في اتجاه توسيع نطاق الحرب لتشمل سوريا, بعد حصول ما يشبه الاصطفاف ضمن خطي مواجهة رئيسيين: 1­ أميركا وإسرائيل وخلفهما فرنسا والدول الحليفة التي تفضل إقصاء سوريا بالاستناد إلى رغبة عربية في ذلك. 2 ­ محور الممانعة سوريا وإيران وفصائل المقاومة في لبنان وفلسطين, المتمسك بإيجاد حلول عادلة قدر الإمكان, بالاستناد على ما حققته المقاومة في لبنان. والذي بات من الصعب التفريط به من دون مكاسب سياسية حقيقية. وهو ما لن يسمح به, ليصبح احتمال الحرب هو الأقوى ضمن هذه المعطيات, ما لم تحدث تغييرات على الأرض. لكن ماذا لو توسعت الحرب لتشمل سوريا؟

الإشارات الصادرة عن سوريا منذ بدء العدوان الإسرائيلي على لبنان, أكدت استعدادها للمساهمة في إيجاد حل للأزمة الحالية, وهو ما حرصت واشنطن على تجنبه لأن أحد أهم أهداف العدوان هو استهداف «حزب الله» وإضعاف سوريا وضرب الحلقة الأقوى في التحالف السوري ­ الإيراني. على هذا الأساس, حاولت واشنطن التلويح لسوريا بإشراكها في الحل إذا ابتعدت عن إيران . إلا أن سوريا المدركة تماماً أن لا مقابل لأي تنازل يقدم لأميركا, لم تظهر ممانعة وحسب لأي تنازلات مجانية تطلبها واشنطن, وإنما أعلنت جاهزيتها الكاملة واستعدادها للدفاع عن نفسها في حال فكرت إسرائيل بتوسيع الحرب, وكان هذا واضحاً في الاستعداد والاحتياطات السورية الكثيرة المتخذة على الأرض, كذلك المجاهرة بالدفاع عن لبنان إذا أعادت إسرائيل احتلاله كما تهدد. وقد قال أكثر من مسؤول سوري بأن «سوريا لن تقف مكتوفة الأيدي, وأنها سترد إذا تعرضت لأي اعتداء», وطلب الرئيس بشار الأسد من القوات المسلحة, رفع الجاهزية وتكثيف ساعات التدريب.

لم تدرس سوريا احتمال توسيع الحرب, إلا بعد ثقتها بأن أميركا لن تعود عن مشروعها لمصلحة توطيد الأمن في المنطقة, وهنا تبرز حاجة سورية الى دخول الحرب مع تعقد الوضع وإصرار أميركا على عزل الملفات العالقة في المنطقة كل ملف عن الآخر, كوسيلة لتنفيذ أجندتها, فتعالج تهديد المقاومة اللبنانية لإسرائيل بمعزل عن احتلال إسرائيل لأراضٍ لبنانية وسورية, وتصر على نشر قوات دولية في لبنان لوضع المقاومة في مواجهة مفتوحة مع المجتمع الدولي, فيما يتم إغلاق ملف الجولان, أو تأجيله إلى حين يعاد تشكيل المنطقة وفق تقسيم الشرق الأوسط الجديد. لذلك فإن لسوريا مصلحة في توسيع دائرة الأزمة, بالقدر ذاته الذي لديها مصلحة بوضع رزمة حلول للقضايا كافة. من هذه الزاوية, نفهم حرص إسرائيل في البداية على عدم توجيه ضربة لسوريا, بمعنى آخر عدم فسح المجال لدخول سوريا الى طاولة التفاوض حول لبنان, لا عبر توسيع الأزمة ولا عبر العملية الدبلوماسية لحلها. إلا أن الواقع على الأرض, وعدم تمكن إسرائيل خلال شهر من العمليات العسكرية المحدودة في لبنان من تحقيق أي هدف من أهدافها, والبدء في توسيع العمليات, يجعل الاحتمالات مفتوحة على الحرب الإقليمية, إضافة إلى أن استمرار عملية الشد والجذب بين الإدارة الأميركية وسوريا بات صعباً للغاية, ويطيل أمد الأزمة ويرفع تكاليف الحرب دون طائل.

هل تكون الحرب هي المخرج الوحيد والحاسم؟ إذا تم ذلك, فلا بد من أن تدخل إيران مع سوريا بموجب اتفاقية الدفاع المشترك, كما سيتم وصل محور الممانعة المسلحة من غزة إلى لبنان وسوريا وحتى العراق وإيران في مواجهة إسرائيل وأميركا والقوات الدولية, ما ينذر بتفجر الوضع في المنطقة إلى حد تصبح فيه الحرب العالمية الثالثة أمراً وارداً, وهو ما سيتطلب اصطفافات عربية ودولية جديدة وفق معادلات تفرضها المصالح المتغيرة بفعل الأمر الواقع.