بجامعة نيويورك ومدير مشروع الشرق الاوسط بمعهد السياسة الدولية في مقال سابق بعنوان »الحلقة المفقودة«، تحدثت عن ضرورة اشراك سوريا في اي مفاوضات مستقبلية قد تؤدي الى وقف دائم لاطلاق النار بين اسرائيل ولبنان، وبما ان ردود الفعل على مقالتي كانت مختلفة، فقد فكرت بأنه نظرا للأهمية الحاسمة لسوريا، فانه يجدر بي ان اقدم جدالا اكثر شمولية لدعم هذه النظرة. وانا اقول هذا لانني اعتقد ان انهاء الحرب في لبنان له امكانية لتغيير المشهد الجيوسياسي للمنطقة دراماتيكيا بطريقة ستؤدي الى سلام عربي - اسرائيلي شامل.

ومن خلال رفض اشراك سوريا، فان ادارة بوش ستفوت فرصة تاريخية اخرى لانهاء النزاع العربي - الاسرائيلي، بغض النظر عما قد تبدو هذه الفرصة بعيدة الآن. وعلى الرغم من ان الحكومة السورية ستنفي ذلك بشدة، فانه من المحتمل تماما ان دمشق قد لجأت الى العديد من الوسائل البغيضة لعرقلة المفاوضات الفلسطينية - الاسرائيلية، ودعمت مجموعات مسلحة، خاصة »حماس« والجهاد الاسلامي وشجعت التوترات على حدود اسرائيل مع لبنان.

وفي الوقت الذي يمكن ان تعاقب سوريا على انشطتها السرية، فانها لا يمكن ان تترك خارج اي ترتيب يضم اسرائيل ولبنان. اذ ان استبعاد سوريا قد يبدو عقوبة مناسبة على افعالها، ولكن النتائج قد تكون اكثر سلبية بكثير بالنسبة للولايات المتحدة واسرائيل.

وليس سرا ان لسوريا مصلحة خاصة في لبنان، ويجب على واشنطن ان تقبل حقيقة انه، مع او بدون وجود قوات سورية في لبنان ومع او بدون ميليشياحزب الله النشطة، فان هذه المصلحة لن تنتهي، والاقتراح بأن اي حل دائم بين اسرائيل ولبنان يمكن تحقيقه بدون دعم دمشق الكامل هو اكثر من سذاجة مطلقة، انه وهم خطيرحقا. حتى اذا افترضنا ان سوريا مذنبة بكل تهمة تقذفها بها الولايات المتحدة واسرائيل، اليس من المنطق ان اشراك سوريا الان فيما تريد بصورة علنية لا غموض فيها ان تنضم الى معسكر السلام؟ ما الذي يحتاج اليه الامر لاشراك عدو المرء؟ وهل تتعارض رغبة سوريا في ان تصبح جزءا من اي اتفاق مستقبلي مع مصالح الولايات المتحدة؟ ربما لا تحبذ الادارة الاميركية ذلك، ولكن سوريا في قلب النزاع العربي - الاسرائيلي. ولذلك كيف يمكن لعزلها اكثر ان يفيد قضية السلام.

ان الحكومة السورية تعرف جيدا ان الادارة الاميركية ملتزمة تماما بتغيير النظام في سوريا. ومن وجهة نظر سورية، فان هذا بحد ذاته يبرر اي جهد لاحباط المخطط الاميركي. واذا رغبت الادارة في رؤية تغيير حقيقي في سلوك سوريا، يجب عليها اولا ان تطمئن الرئيس الاسد بأن الولايات المتحدة ليست لديها اية نية لتقويض حكومته، ومن الغريب الاعتقاد بأن اية حكومة ستتعاون في سقوطها وبعد هذا القول، فانه مهما تكون الشكاوى الاميركية ضد سوريا مبررة، فان دمشق يمكنها ايضا جمع قائمة طويلة من شكاواها الخاصة. ولا يمكن لشكاوى اي جانب ضد الاخر التطرق اليها بشكل مناسب من خلال البيانات والاتهامات المضادة العلنية. ان حوارا مباشرا فقط من شأنه ان يوفر الوضوح لتقييم واقعي لنوايا بعضهم البعض. ولاكثر من ست سنوات، رفضت الادارة اجراء مفاوضات مباشرة مع كوريا الشمالية وايران - والنتيجة كانت تحديا كاملا من كلا الدولتين. وقادت الاستراتيجية الاميركية كوريا الشمالية الى تطوير اسلحة نووية وايران الى النجاح في تخصيب اليورانيوم، مما قربها اكثر الى امتلاك التكنولوجيا لتطوير اسلحة نووية. فكيف اذن يمكن للادارة الاعتقاد بأن عزل ورفض اجراء محادثات مباشرة مع سوريا سيكون اكثر نجاحا في ترويض دمشق؟

وحتى الآن، فان رفض واشنطن التعامل مع شكاوى سوريا، مهما تكن قابلة للاعتراض، قد دفع دمشق الى ذراعي ايران، مما وفر لطهران فرص ذهبية لتوسيع دائرة تأثيرها الى المتوسط. وهذا بالطبع يأتي في اعقاب الحرب المدمرة في العراق، والتي خرجت منها ايران المستفيد الاكبر.

والآن، فان الطريق الوحيدة لتثليم طموحات ايران في التحول الى مسيطر اقليمي هي بدمج سوريا في مدار الدول العربية السنية. وهذا يعتبر حكيما من الناحية السياسية وضروريا استراتيجيا. يجب وقف ايران في خطها وهذا يمكن فعله فقط عن طريق حرمانها من الوصول الى لبنان وجعل مصالح سوريا الوطنية تصطف باحكام مع تلك الخاصة بالغرب واسرائيل. ومع غوصها في مستنقع العراق وتحول لبنان الى انقاض، فان الولايات المتحدة تحتاج لسوريا في تحييد ما من شأنه ان تكون مكاسب ايران الكاسحة والتي لا يمكن كبحها حاليا. ان مصلحة سوريا الرئيسية هي في استعادة مرتفعات الجولان. وفي مناسبتين خلال العامين الماضيين، عرض الرئيس السوري بشار الاسد استئناف مفاوضات السلام وتم صده مرتين من قبل اسرائيل وادارة بوش. واذا لم يكن بوسعها استعادة الجولان بواسطة المفاوضات ولا من خلال القوة، فان دمشق سترفض السماح للولايات المتحدة واسرائيل بنسيان مطلبها المشروع المنصوص عليه في قرار مجلس الامن رقم 242 والذي يدعو الى مبادلة الارض بالسلام. وقد تطمئن اسرائيل الىحقيقة ان سوريا لا يمكنها فرض موقفها عسكريا، ولكن عندها يجب على اي حكومة اسرائيلية الا تضلل نفسها بالاعتقاد بأنها تستطيع الاحتفاظ بالجولان لوقت غير محدود.

وكذلك يجب على اسرائيل الا تتوقع انها تستطيع الحفاظ على الهدوء على حدودها الشمالية مع سوريا ولبنان في الوقت الذي تبقى فيه الجولان ارضا محتلة.

والاكيد انه طالما احتفظت اسرائيل بالجولان، كلما كان الدفاع عن الوضع الكلي اكثر تعذرا. واولئك الاسرائيليون الذين كانوا يؤمنون بالاحتفاظ بالضفة الغربية تحت اي ظرف من الظروف قد ادركوا الان ان الاحتلال، من وجهة نظر ديموغرافية على الاقل، هو ببساطة غير دائم. والشيء نفسه ينطبق على الجولان، وان كان ذلك بسبب مختلف ولكنه نافذ بنفس الدرجة. وبينما يمكن الادعاء بأنه في ظل العداوة بين اسرائيل وسوريا، فان الجولان، كمنطقة عازلة مجدية امنيا، فانه اذا عرضت سوريا سلاما طبيعيا، مع الامن في مقابل الجولان ورفضت اسرائيل ذلك فان الجولان تصبح عبئا امنيا وطنيا. والاحداث السابقة تبين ذلك. ولا شيء سيغير طبيعة النزاع الاسرائيلي - السوري في الوقت الذي تظل فيه الجولان تحت الاحتلال الاسرائيلي.

لسنوات عديدة، درست وكنت مشاركا بصورة مباشرة وغير مباشرة في النزاع الاسرائيلي - السوري ومفاوضات السلام. وخبرتي تقودني الى القول بتأكيد قاطع بأن السوريين لم يحيدوا مطلقا ولم يترددوا في التزامهم باستعادة الجولان. واسرائيل تعترف بذلك، ومرتان في منتصف التسعينيات وفي عام 200، كان الجانبان قريبين جدا من اتفاق.

وللاسف، فان المفاوضات انهارت في ايار 2000 حول خلاف حدود طفيف نسبيا. فبينما اصرت اسرائيل على الانسحاب الى الحدود الدولية لعام 1923، ظلت سوريا متصلبة على العودة الى خط هدنة الرابع من حزيران لعام 1967- والفارق الكلي يبلغ سبعة اميال - وهو خط رفيع على طول الحدود الاسرائيلية - السورية يعطي لاسرائيل بضعة مئات من الاقدام من العمق الى الشرق، بشكل رئيسي على طول ضفاف بحيرة طبريا.

وخلال مفاوضات السلام الاسرائيلية - السورية من منتصف التسعينيات وحتى عام 2000، لم توافق اسرائيل مرة على التنازل عن الجولان مقابل اقل من سلام كامل. وعلاقات طبيعية على مراحل كانت قد ربطت مباشرة بانسحاب على مراحل من الجولان واصرت اسرائيل، وقبلت سوريا في النهاية، على ان السلام بين الدولتين يجب ان يؤطر كسلام شعب الى شعب، يقوم فيه الشعبان بتطوير اهتمام راسخ بالمحافظة عليه. واذا كانت سوريا ترفض عرض اتفاق سلام كهذا الان، فانها لن تضمن عودة شبر واحد من الجولان سواء بالمفاوضات او الحرب. وهذا المقدار اعتقد ان سوريا تفهمه تماما.

واولئك الذين يزعمون ان الانسحاب الاسرائيلي من غزة وجنوب لبنان لم ينتج عنه هدوء او سلام هم مخطئون. فبالكاد وقع حادث عنف واحد بين اسرائيل ومصر واسرائيل والاردن منذ توقيع معاهدات السلام في 1976 و1995 على التوالي. والمتطلب السابق لسلام حقيقي كان عندها، وما يزال صحيحا اليوم، هو الانسحاب الكامل. والى ان تؤسس اسرائيل نفس المبدأ مع سوريا والفلسطينيين، فان تكرارات مختلفة للحرب المأساوية في لبنان تعتبر حتمية.