افادت معلومات وردت على العاصمة اللبنانية من واشنطن الاسبوع الماضي ان اسرائيل كانت تعتقد عندما شنت حربها على "حزب الله" ومعه على لبنان بعد اسر الحزب جنديين لها في 12 تموز الماضي، ان العمليات العسكرية لن تستمر طويلا وان الحكومة اللبنانية ستبدي استعدادا لايجاد حل للمشكلة الاساسية التي ابقت الجنوب اللبناني منذ التحرير عام 2000 قنبلة جاهزة للانفجار ولتفجير المنطقة كلها، وان المجتمع الدولي سيبادر الى وضع يده على هذه القضية وسيجد حلا لها يؤمن مقتضيات الامن الاسرائيلي ويعيد هدوء الهدنة وليس السلام على حدودها مع لبنان.

الا ان سير العمليات العسكرية منذ ذلك التاريخ اظهر في وضوح ان حسابات حكومة ايهود اولمرت لم تكن دقيقة ولا سيما من حيث النتائج المتوقعة منها. فلبنان طالب، عبر حكومته، المجتمع الدولي بالتحرك لكنه لم يبد استعدادا لقبول طلبات تصر عليها اسرائيل ومعها حليفتها اميركا ودول اخرى. وبعبارة اكثر وضوحا لم يبد مستعدا لقبول وقف النار والعمليات العسكرية بأي ثمن او بثمن يهدد بعد وقف الحرب بنشوب حرب اخرى ولكن داخلية اخطر بكثير من الحرب مع اسرائيل رغم ان اخطار الاخيرة ليست قليلة على الاطلاق وقد تكون باهظة جدا اذا استمرت. ومقاتلو "حزب الله" عطلوا على مدى اربعة اسابيع ولا يزالون يعطلون آلة الحرب الاسرائيلية بشجاعتهم وصمودهم اللذين لا ينكرهما عدو لهم او صديق.

وهم مستعدون للاستمرار في تعطيلها الى ان ينجحوا او يُقتلوا في حال قررت حكومة اولمرت تحويل الاجتياح والتوغل البري المحدود والمتقطع اجتياحا برياً واسعاً. وبذلك ظهر في وضوح ان حسابات اسرائيل على الصعيد العسكري والميداني لم تكن دقيقة. فهي قد تكون توقعت شراسة مقاتلي "حزب الله" نظرا الى خبرتها معهم اثناء سنوات الاحتلال الطويلة، لكنها لم تتوقع قط ان يكونوا تحولوا جيشا حقيقياً ذا بنية تحتية صلبة وذا تسليح كبير ومتنوع ولكن متخصص في حرب العصابات. ويدل ذلك على امور لا بد من ان تقلق الاسرائيليين طويلا وكثيراً، اولها فشل اجهزة استخباراتهم المتنوعة المعترف لها على مدى سنوات بالقدرة والابتكار والذراع الطويلة في معرفة ماذا كان الحزب يحضر له سواء سياسياً او ميدانياً. وثانيها ضرورة تحويل جيشهم النظامي والقوي بل الاقوى في المنطقة او بعضه جيشاً قادراً على خوض حرب عصابات ناجحة. وثالثها ان تجربة "حزب الله" القتالية مع اسرائيل منذ بدء الحرب واثناء سنوات الاحتلال لا بد ان تعمم في شكل او آخر في العالم العربي وربما في العالم الاسلامي الامر الذي يجعلها مهددة باستمرار في السنوات المقبلة. ولن يكون هذا التهديد سهل الازالة كما في العقود الخمسة الماضية. ورابعها، ضرورة اقدام اسرائيل على اجراء اختيار نهائي وحاسم كي تضمن استمرارها آمنة في المنطقة وخصوصا بعدما "انوجع" شعبها ومدنيوها للمرة الاولى منذ نشوئها عام 1948 وشعروا للمرة الاولى ايضا بالخوف واضطروا الى ملازمة الملاجىء ثم النزوح والامران كانا دائما مقصورين على العرب، واللبنانيون في مقدمهم كما الفلسطينيون.

ويعني ذلك ان عليها ان تختار ان تبقى قلعة عسكرية متفوقة على محيطها، علما ان ذلك يحتاج الى ميزان قوى دولي – اقليمي ملائم. او ان تختار حلا عادلا وشاملا ودائما، انطلاقا من قرارات مجلس الامن علما انه قد يكون امامها خيار ثالث هو التحول جزءاً فعلياً من اميركا تحظى بالحماية التي تحظى بها ولاياتها. وخامسها ضرورة خروج اسرائيل من حال الاسترخاء الناجمة عن تفوقها العسكري والغطاء الاستراتيجي الاميركي لها، ومن اوهام الانتصارات السريعة التي حققتها على العرب اكثر من مرة وشعورها انها لا تزال في خطر وستبقى في خطر الامر الذي يجعلها مستعدة للموت (اي جيشها) حماية لدولتها وشعبها، وهذا امر لم يظهر حتى الآن، اذ لا تزال اسرائيل تتردد في خوض حرب برية واسعة لانها لا تتحمل ضحايا بشرية ومدنية وعسكرية بالمئات وربما بالآلاف.

وهذا عرض لواقع وهو ليس قطعا تحريضاً لاسرائيل كي تنجز مهمة الاجهاز على "حزب الله" كما قد يتبادر الى البعض، علما ان هذا الاجهاز لم يعد ممكنا. وقد يكون صار من المستحيلات. وسادسها تراجع الكفاية السياسية الاسرائيلية والذي عكسه التردد في اتخاذ القرارات وفي خطأ توقيتها وعدم تقدير الواقع الاقليمي وخصوصا المعادي لها في المطلق على حقيقته وكذلك في عدم تقدير الواقع الدولي، وخصوصا بعدما اظهرت الحرب الدائرة في وضوح ان اسرائيل في الاوقات الحرجة اداة في يد اميركا لا العكس كما يحلو للعرب ان يعتقدوا، علما انهم الآن بدأوا يتحدثون عن هذا الامر. هل يعني ذلك ان اسرائيل ستهزم في الحرب الدائرة منذ 12 تموز الماضي؟

لن تهزم اسرائيل في هذه الحرب، سواء انتهت او بالاحرى توقفت بقرار يصدر عن مجلس الامن او بعملية عسكرية برية واسعة ومكلفة. فالقرار سيحرص، وبسبب حلفاء اسرائيل واخطار خسارتها واهمها على الاطلاق ربح ايران وسوريا اللتين تخوضان حربا مع اميركا والمجتمع الدولي او بعضه على الساحة اللبنانية وبواسطة "حزب الله"، على ابعاد خطر صواريخ المقاومة اي صواريخ ايران عن الحدود الاسرائيلية واستتباب الهدوء باحياء اتفاق الهدنة لعام 1949 ومعالجة موضوع السلاح "اللبناني" الاقليمي بواسطة قوة دولية معينة. والعملية العسكرية البرية ستدمر لبنان طبعا لكنها ستبعد الخطر عن اسرائيل سواء باحتلال مباشر دائم او بصيغة اخرى يتم التفاهم عليها مع المجتمع الدولي. لكن "حزب الله" لن ينهزم ايضاً. ذلك ان اسرائيل لا تستطيع نزع سلاحه، والقوات الدولية لن تنزع سلاحه.

والدولة اللبنانية التي هو جزء منها والتي ساهم مع غيره من اللبنانيين ومن حلفائه الاقليميين في تعطيل قيامها، لن تنزع سلاحه ولا تستطيع نزعه وان قررت ذلك. ولا تستطيع اسرائيل ولا غيرها، القضاء على اسطورة البطولة والاستشهاد التي نجح في نسجها حول نفسه ومقاتليه. كما لا تستطيع منعه من استثمار كل ذلك في الداخل اللبناني. علما انها قد تستطيع استثمار خوف غالبية اللبنانيين منه لايقاعه في الفتنة الداخلية التي تحوله ميليشيا فعلا، وهذا امر قد لا يكون مستحيلا رغم ان اللبنانيين لا يزالون يرفضونه. واستمرار رفضهم اياه سيتوقف أولاً وقبل كل شيء على "حزب الله" وعلى الاستراتيجية الفعلية التي بها يؤمن وعلى نوع الدولة التي بها يؤمن اذا كان يؤمن بمشروع دولة يمكن ان يقبله اللبنانيون كلهم. كما يتوقف على مدى استعداد هؤلاء اللبنانيين للتكيف مع كل ذلك.

طبعا الاولوية الآن لوقف الحرب وضمان عدم تجددها على المدى القصير. لان ضمان عدم تجددها في صورة نهائية يعتمد على قيام دولة فعلية في لبنان. وذلك امر مشكوك فيه حتى الآن على الاقل. والمعلومات الواردة من مجلس الامن تشير ساعة الى قرب ذلك، وساعة اخرى الى تعذره وتاليا الى استمرار الحرب. لكن الاسئلة التي تطرح نفسها هنا: هل تستطيع حكومة فؤاد السنيورة قبول قرار دولي يرفضه "حزب الله" وان وافق عليه الاعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الامن وحظي بقبول الجامعة العربية؟ وهل يتخذ مجلس الامن قرارا لا يحظى بقبول الطرفين اللبناني والاسرائيلي او احدهما؟ وهل يكون مجلس الامن مستعدا لفرض تطبيق القرار الذي قد يتخذ على الجميع وبالقوة؟ لا اجوبة عن هذه الاسئلة الآن.