"هآرتس"

بقلم: يوسي ساريد

هذه الحرب كانت قبل كل شيء مأساة اسرائيلية، وهي مأساة لبنانية أيضاً، وفي الواقع مأساة عالمية. عندما قررت حكومة اسرائيل شن الحرب بسبب استفزاز عملية الخطف، لم تأخذ في الحسبان انه ليس ثمة من يوقف هذه الحرب. منذ اللحظة التي ستندلع فيها وتتدحرج وتتعقد، ليس في العالم اليوم طرف قادر أو جائز لتحديد نقطة الانتهاء. عالم بداية القرن الحادي والعشرين هو عالم بلا قيادة وارادة وانضباط.

في كل مرة أسمع فيها عن "الأسرة الدولية" وعن الامم المتحدة ومجلس أمنها، استبدل بكائي بضحك مرير. لست هناك أسرة من دون قيادة ولا مجلس أمن من دون طرف يحدد القرار فيه. الطرف الذي كان من المفترض فيه أن يضطلع بهذا الدور القيادي، أي الولايات المتحدة، هو قيادة خاوية غير حقيقية.

سقطت على العالم وعلى كل من فيه مصيبة فادحة عندما انتخب جورج بوش رئيساً للولايات المتحدة. العالم كبير كما نعرف، وهو كبير فعلاً على جورج بوش، فليس هو الشخص الذي يمكنه أن يخفف آلامه وأوجاعه. هذا شخص منذ "وُلد من جديد" وفتحت عيناه كعيني الطفل الرضيع، وهو يرى العالم بصورة سطحية. وفقا لتقاليد المسيحي الاصولي الممزوجة بتقاليد الكاوبوي القادم من تكساس، يقسم بوش العالم اخياراً واشراراً وأبناء النور ضد أبناء الظلام. وتقسيمه هذا قاطع وحاد من دون تزويق أو تلوين. خسارة أن الرئيس الاميركي ورث الأرض من غير ان يرث السماء التي تنقسم بوضوح بين الجنة وجهنم، من غير ان يتلامس ملكوت الخلاص وملكوت الشر.

ليس لدى هذا الرئيس الموعود المبشر، ولن يكون، حوار مع المنحرفين الذين حادوا عن السراط المستقيم، الذي يحدده كهنة مسيحيون متعصبون في الكنيسة وأنبياء "النظام العالمي الجديد" في البنتاغون. لذلك وجدنا الامبراطورية الوحيدة فوق المعمورة متخاصمة متنازعة مع نصف العالم. هي لا تتحدث مع كوريا الشمالية ولا مع ايران ولا مع سوريا ولا حتى مع اتباعها ومن يوالونها – حزب الله، حماس، طالبان وأشباههم.

في رحلة الخلاص الكاملة يضيع بوش في طرق المعمورة وفي دروب الحماقة، مقاتلاً طواحين الهواء السيئة مثل دون كيشوت المتحمس ليحصد العاصفة. هو يضع نصب عينيه قراره الحازم بنشر الديموقراطية في كل دولة وقطر حتى إن غرق مواطنو هذه الدولة بالدم. نحو مئة الف عراقي صبوا دماءهم كزيت على دواليب ثورة بوش الخلاصية، وفي العراق يقتل الف شخص في كل اسبوع، هذا من غير ان نحصي ضحايا افغانستان التي لا تجد من يعدها. الأسرة الدولية ممزقة ومفرقة ومشتتة ومشرذمة، كما لم تكن في أي وقت من الاوقات. هي ترفض السير في طريق بوش، لكنها لا تملك طريقاً بديلاً خاصاً بها. الاتحاد الاوروبي يبدو احياناً اكثر صحوة، لكنه مفزوع اكثر منه مستيقظ. الخيار العالمي هو اذا خيار بائس. خيار بين ضعاف العقول وضعاف القلوب.

في اسرائيل فقط لا يزالون ينفعلون ويعجبون من الرئيس وبطانته الكوندوليزية. ربما لديهم استعداد هناك في واشنطن لانقاذ اسرائيل من ايدي اعدائها، وليس لديهم استعداد لانقاذها من أيدي صديقتها الكبرى ومن نفسها. أما الأشرار، فقد توقفوا عن التأثر ببوش منذ مدة طويلة. هم يواصلون مسيرتهم وخططهم وكأن اميركا غير موجودة وكأنها لا تملك ما تقوله. حتى اذا صرخ بوش بصوته المزمجر ألف مرة فان كلمته ليست مسموعة. هم يقولون اذا كان بوش قد خاصمنا فهذا جيد، فنحن لسنا في حاجة اليه. مجانين كل العالم يتحدون ويتعاظمون ويستخفون بتوبيخات بوش المصطنعة التي تشبه توبيخات المعلم المنعزل في زاويته داخل صف هائج.

الولايات المتحدة بزعامة بوش دمرت بكلتا يديها قدرتها الردعية وقدرة العالم الحر، ومن خلال ذلك أيضا القدرة الردعية الاسرائيلية، اذا لم يكن الجني الاميركي الذي سيطر على العراق مخيفا كما كانوا يتصورون، وقابلا للارهاق والاستنزاف، فلا سبب اذاً للخوف من المارد الاسرائيلي. من كان يصدق: أحياناً يشتاق الانسان الطبيعي الى عالم المعسكرين الذي كان سائداً قبل سقوط الأسوار بين الشرق والغرب. صحيح ان مصير الانسانية كان في تلك الايام قائماً على كبح "توازن الرعب"، وفي كل توازن يفرض القيام بخطوات محسوبة جيدا. وما ان زال خطر الحرب الباردة حتى زال معها ذلك التوازن، ولم تعد الزعامة الاميركية العظيمة والمقتدرة بقادرة بكل بساطة. العالم يسخن ويخرج عن نطاق السيطرة. والضحايا الدورية في هذا العالم المنفلت من عقاله هي نحن.