نصر شمالي

مرة أخرى وأخرى تؤكد حرب الدمار الشامل التي شنّها الإسرائيليون ضدّ لبنان أن الكيان الصهيوني ظاهرة عابرة مؤقتة مهما دامت. إنه دولة الجيش الطارئة كما وصفه السيد المجاهد حسن نصر الله. إن هذا الكيان في حدود ذاته لا يستطيع أن يكون دولة ولا وطناً ولا شعباً، بل مجرّد أداة تسلط أمنية ممتازة لصالح النظام الربوي الاحتكاري العالمي الذي تقوده واشنطن في مرحلته الراهنة الأخيرة، وأداة التسلط هذه مرهون وجودها بضرورتها وبوظيفتها، ومرهون مصيرها بتبدل الشروط والمواقع والمصالح وموازين القوى الدولية، وإنه لمن الضروري أن لا نضيع وقتاً وأن لا نلقي بالاً لتلك الكميات الهائلة من الدراسات التي تسهب في الحديث عن الأمن الإسرائيلي بطريقة تجعلنا نتعامل مع الكيان الصهيوني كأنما هو حقاً دولة ووطناً وشعباً يستحق الدراسة في حدود ذاته!

* * *

منذ انطلقت الهجمة الوحشية الأخيرة ضدّ لبنان والأميركيون وحلفاؤهم وعملاؤهم يردّدون أن من حق الكيان الصهيوني الدفاع عن أمنه، باعتباره دولة ووطناً وشعباً! وللأسف الشديد، على مدى عشرات السنين الماضية، كان هناك الكثير ممن يعتقدون بصحة نظرية الأمن الإسرائيلي، وبمشروعية ما سمّي بعمليات الانتقام الإسرائيلية، باعتبارها أسلوباً مفهوماًً من أساليب الردع الأمني دفاعاً عن الوجود، وقد انطلى مثل هذا اللغو الفارغ على كثير من العرب وأصدقائهم، بل انطلى أيضاً على كثير من اليهود وكثير من أنصارهم، غير أن الوقائع الأساسية برهنت دائماً أن المسألة ليست كذلك على الإطلاق، ففي مطلع الخمسينات تردّد سؤال جدّي في أوساط القيادة الإسرائيلية حول ضرورة وإمكانية عقد حلف أمني بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، وقد هبّ الجنرال موشي دايان، رئيس الأركان حينئذ، يوضّح لزملائه بحزم هذه المسألة قائلاً:" نحن لا نريد إقامة حلف مع الولايات المتحدة، فمثل هذا الحلف لن يشكل سوى عائق لنا، ونحن في الحقيقة لا نواجه مطلقاً أي خطر من القوة العسكرية العربية، ومن الناحية الأخرى فإن العمليات الانتقامية هي سائلنا اللمفاوي الحيوي، فمن دون هذه العمليات سنتوقف عن كوننا شعباً محارباً، وقد يترك المستوطنون المستوطنات، ولذلك يجب أن نقول لهؤلاء المستوطنين أن الولايات المتحدة وبريطانيا ترغبان في أخذ النقب منا، فمن الضروري إقناع شعبنا أننا في خطر، أما العمليات الانتقامية فهي شرياننا الحيوي، وهي ضرورية للإبقاء على توتر عالي بين سكاننا وفي الجيش، وضرورية لإقناع شبابنا أننا في خطر"!

تلك أقوال دايان في مطلع الخمسينات من القرن الماضي، وهي تبين بجلاء أن الكيان الصهيوني ليس دولة ولا وطناً ولا شعباً، بل ظاهرة طارئة مرهون بقاؤها بوظائف طارئة!

***

غير أن الأميركيين، بعد حرب عام 1973، أبرموا مع الإسرائيليين حلفاً أمنياً، أو تحالفاً استراتيجياً، وقد حدث ذلك نتيجة تعاظم الحضور الأميركي المباشر في المنطقة، الأمر الذي استدعى إلزام الإسرائيليين بالعمل المباشر إلى حد كبير في ركاب الأميركيين، أي أن الإسرائيليين خسروا الكثير من حرية حركتهم الذاتية التي ظلوا يتمتعون بها طوال أكثر من عشرين عاماً، فهل أدى ذلك التحالف إلى الحدّ من نزعتهم التلمودية العنصرية؟ أبداً! لأن الإدارات الأميركية المتوالية جميعها، منذ تأسيس الولايات المتحدة، تتبنى مثل هذه النزعة، بل تعتنقها أكثر من اليهود أنفسهم، وهكذا، رغم قيام التحالف الأميركي الإسرائيلي، الأمني الاستراتيجي، رأينا رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيغن يقف أمام جنوده ويخاطبهم قائلاً بالحرف:" أنتم أيها الإسرائيليون، لا ينبغي أن تكونوا رؤوفين حين تقتلون عدوكم، ينبغي عليكم أن لا تعطفوا عليه ما دمنا لم نقض بعد على الثقافة العربية، وما دمنا لم نبن بعد على أنقاضها حضارتنا نحن. إنه لمهم جداً بالنسبة إلي أن يبقى شعب إسرائيل حياً إلى الأبد، ولا يهمني ما إذا بقيت أو لم تبق شعوب أخرى"!

هذا ما قاله المرتزق المجرم بيغن، وبالطبع فإن دعوته لجنوده أن يقتلوا العرب بلا أدنى شفقة أو رحمة تشمل الأطفال والنساء والشيوخ، حيث الهدف هو تحويل العرب إلى عبيد بعد القضاء على مقاومتهم وثقافتهم، وبعد نهوض الحضارة التلمودية على أنقاضهم!

***

لقد ذكرنا ما قاله موشي دايان في الخمسينات بصدد الجيوش العربية، التي لم تكن تشكل مطلقاً أي خطر على الكيان الصهيوني حسب قوله، وكيف كان طليقاً في شن عملياته الإرهابية ضد العرب تحت عنوان العمليات الانتقامية، أما اليوم فقد اختلف الوضع جذرياً، في فلسطين والعراق ولبنان، حيث بدأت الأمة، ممثلة بمقاومتها الباسلة، تأخذ على عاتقها تباعاً عبء مواجهة هذه القاعدة الاستيطانية الوحشية، التي ليست دولة ولا وطناً ولا شعباً!