طالما الحق بين والضلال بين, لماذا لا يصل نداء المكلومين والثكالى ضحايا الفظائع الإسرائيلية إلى أسماع طباخي السياسة الدوليين؟ وكيف لا تزكم أنوفهم رائحة الموت تفوح من قدورهم السوداء؟ أليس في استمراء القتل الجماعي بسياسة المماطلة والتأجيل, انتظار لإخراج قرار وقف إطلاق النار في الوقت وبالشكل اللائق الذي يريدون؟ هكذا يصبح التساؤل لازماً, ولو كان فجاً ومقيتاً: لماذا يستضرطون العربان إلى حد يخولهم تقرير مصائرهم, فيصدرون القرار تلو القرار لتشريع العدوان وإطلاق يد الهمجية الوحشية لتحصد البشر البؤساء بحجة الحق في الدفاع عن النفس؟! سؤال بات يتردد إثر كل حوار أو سجال مع أميركي أو إسرائيلي أو متأسرل, حول المجازر وضحايا العدوان من المدنيين, عندما نسمعهم يطلون علينا من نوافذ فضائياتنا يزوِّرون حقائق تفقأ العين بوضوحها, ويحتالون دونما حياء على انتزاع مهمة النطق بلسان حال شعوب المنطقة, كأن يقول مسؤول في الإدارة الأميركية: «إن اللبنانيين يريدون التخلص من حزب الله» أو «نصر الله يختبئ من اللبنانيين كي لا يقتلوه»؛ هكذا عينك عينك وبكل وقاحة يتحدث باسم جميع اللبنانيين, مزيفاً ما يجري بأن إسرائيل لا تعتدي على لبنان, بل تخلصه من «حزب الله». من دون أن يفلح أربعة محللين عرب في إقناعه بأن رأيه مبني على معلومات وقراءة خاطئة, حتى ضاق به ذرعاً صدر احدهم, فوصفه صراحة بالغباء, بعدما ثبت في نهاية المطاف ان ذلك المسؤول الأميركي لا يريد سماع أي رأي يخالف وجهة نظره المنسجمة مع سياسة إدارته في المنطقة. وبلا شك, مهما بدا رأيه مجانباً للحقيقة والمنطق, فهو لم يأت من فراغ, فحين يقول ان اللبنانيين يريدون التخلص من «حزب الله», فلا بد أن يكون طرف أو جهات لبنانية وعربية تتمنى ذلك, وأبلغت أمنياتها للشرطي الأميركي مجيب الدعوات, وذلك بما يدعم مشروعهما المشترك على الأرض, وهو ما يُفقد الآراء الأخرى المخالفة فعاليتها وتأثيرها, مهما كانت قوية ومهما بلغت الشريحة التي تحملها من الاتساع. كل ما يفعله الأميركيون هو أنهم يكررون تجربتهم العراقية الرعناء في لبنان, هل أفلحوا عندما أخذوا بنصائح أحمد الجلبي وسواه وكأنهم كل المعارضة العراقية, بل العراق كله؟! تم هذا ليس لاقتناع أميركا بهم, وإنما لأنهم مثلوا غطاء للاحتلال, لكن سرعان ما رميت هذه الذرائع والتغطيات مع الأكاذيب الأخرى في رمال الفظائع المتحركة, حين جد الجد وبدأت معارك التحاصص على المنافع والغنائم من عائدات الاعمار المنهوبة, عندئذ بانت الحرب على حقيقتها. اليوم, الأمر ذاته يستعاد في لبنان, عندما تتستر الإدارة الأميركية على عورات الاعتداء برغبات بعض اللبنانيين والعرب ممن يقلقهم وجود مقاومة عربية حقيقية تكشف ضلال ادعاءاتهم, دون حسابات لتداعيات هذا التحول التاريخي الكارثي على المنطقة. والمصيبة أن المراهنين على المشروع الأميركي ­ الإسرائيلي, لا يدركون أن التنازلات لن تجنبهم عواقب هذا التحول, وستذهب هِباتهم السخية أدراج الفوضى «البناءة», وتؤسس لزوالهم على وقع تنامي الحقد والكراهية لأميركا وللمتعاونين معها. فعلى مدى شهر منذ بدء العدوان, سمعنا عبارات السخط والنقمة تتفجر في الشارع العربي على نحو غير مسبوق, وحسبنا قول رجل من المغرب في تظاهرة حاشدة خرجت تطالب بمقاطعة البضائع الأميركية: «لا يجب أن نقاطع المياه الغازية والسجائر, فهذا غير مفيد, علينا مقاطعة الحكام العرب؛ هؤلاء الصناعة الأميركية ­ الإسرائيلية الوحيدة التي لا بد من مقاطعتها». ليس خافياً أن حال الشعوب العربية مع أنظمتها, كحال الإعرابي الذي ذهب الى أبي العيناء يشكو زوجته, فقال له أبو العيناء: هل تتمنى موتها. فأجاب الرجل بالنفي. فقال أبو العيناء: ويحك, هل أنت صريع هواها. فأجاب الرجل: بل أخشى أن تموت زوجتي فأموت فرحاً. ولأن هذا هو نمط العلاقة بين الشعوب والحكام, لا نستغرب استخفاف العالم بالعرب, ولا اعتبارهم الدم الإسرائيلي أغلى من الدم العربي, ولا نستهجن عنصرية مسؤول أميركي رفيع, عندما يؤكد بكل ثقة بأن المجتمع الدولي لن يتأثر بضحايا مجزرة القاع, لأنهم عمال سوريون, وألا نكذب وزير الخارجية الفرنسي إذا عبر عن دهشته من الرفض العربي للمشروع الفرنسي ­ الأميركي لقرار وقف إطلاق النار, بأنه تشاور بخصوصه مع أربع دول عربية ولم تعترض!! علينا ألا نشعر بظلم العالم, لأن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة, كما أننا ظلمنا أنفسنا وبالغنا بالظلم, حين صدقنا أن مجتمعاتنا عقيمة وعاجزة, وعقلنا العربي معطل, واستمرأنا جلد الذات حتى استمتعنا بالشعور بالدونية, الى الحد الذي نصفق فيه بحرارة لدموع رئيس حكومة لبنان, وهو يستجدي التضامن العربي المستحيل, دموع انهمرت خطأ, في الزمان الخطأ, عندما لم يعد لبنان الروض العاطر الذي يعيد شيخ المال الى صباه. وفي المكان الخطأ, أرض لبنان العزيز المنيع, لبنان تاج الغار على رؤوس العرب أجمعين, بلد أمهات الشهداء الصابرات الصامدات المتحديات الشجاعات, لبنان القلعة الشامخة بسواعد شبابه المقاومين؛ زمن يفرض على رئيس حكومته أن يرفع هامته عالياً فارضاً إرادة شعبه الباسل على المجتمع الدولي, ليفوت على المتخاذلين فرصة تضييع الانتصار الأسطوري. ما حاجة لبنان الى التباكي واستجداء التضامن والمساندة العربية؟ وماذا لدى العرب مما يستطيعون إعطاءه للبنان, فلا كلمتهم مسموعة لرد العدوان, ولا دولاراتهم واستثماراتهم تساوي قطرة دم طاهرة سفكت ظلماً في قانا ومروحين وبنت جبيل ومارون الراس والقاع والشياح... تلك الدماء المقدسة, دليل اتهام سافر يوجه إلى كل من شجع على العدوان بالقول أو بالفعل أو بالصمت. دمع الرجال غال, وأغلى من الدم في بلد يحتاج اليه العرب ليطهروا آثامهم بتضحياته, عساهم يستعيدون شيئاً من الكرامة المسفوحة على عتبات المتآمرين الدوليين.