كان ذلك عام 2000. ديبلوماسي أميركي في بيروت يستقبل سياسيا لبنانيا مقربا جدا من سورية ويتفاجأ بعرض حمله اليه: «الرجاء ان تستخدم الولايات المتحدة نفوذها» لدى حكومة رئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك ايهود باراك «كي لا تنفذ خطتها الانسحاب من جنوب لبنان».

الديبلوماسي المندهش سأل السياسي اللبناني، هل هذا الطلب منه او من اي من الرؤساء الثلاثة او من اللواء غازي كنعان الرئيس السابق لجهاز الامن والاستطلاع السوري في لبنان؟ اجابه السياسي اللبناني الذي كان يجاهر علنا ويفتخر بانه يضرب بسيف كنعان: «اعتبره رغبة سورية لبنانية غير معلنة واؤكد لك انه ما كان في امكاني ان ازورك لهذا الغرض لولا الضوء الاخضر من كنعان». وسأل الديبلوماسي ضيفه عن اسباب الرغبة في عدم انسحاب اسرائيل مع ان الخطوة يجب ان تعتبر في وجه من وجوهها انتصارا للبنان ومقاومته؟ فرد السياسي اللبناني ان جملة استحقاقات ما زالت تحيط بلبنان اهمها موضوع السلاح الفلسطيني في المخيمات ومحاولات التوطين واذا انسحبت اسرائيل فستزداد المطالبات بانسحاب سورية لاحقا ولبنان لا يستطيع بجيشه وحده ان يضبط جملة امور يمكنها تهديد السلم الاهلي بدءا من المخيمات وانتهاء بالتجاذبات الداخلية مرورا بسلاح «حزب الله» نفسه, وعقب السفير الاميركي بانه لا يفهم كيف يقال ان لبنان تجاوز مرحلة الحرب وان دولته صارت قادرة وقوية وان جيشه صار 60 الفا مع عتاد قوي وان الوحدة الوطنية متجلية بأبهى صورها,,, «ثم عند اي استحقاق مفصلي نسمع كل هذا الخوف».

واضاف الديبلوماسي انه يرى في الطلب رغبة اقليمية في ابقاء الاوضاع في جنوب لبنان تحت سقف «تفاهم ابريل» الذي ابرم بعد عدوان «عناقيد الغضب» عام 1996 «الامر الذي يسمح بتحريك جملة اوراق على اكثر من مسار من مسارات التفاوض كلما اقتضت الحاجة، على ان يكون جنوب لبنان هو المسرح المفتوح لذلك، فبالنسبة الى لبنان واسرائيل هناك هوامش متقاربة للربح والخسارة اما بالنسبة الى الاطراف الاخرى فالهامش فقط هو للربح لانهم لا يغامرون برأسمالهم بل بارباحهم».

وعقب السياسي اللبناني على التعقيب بمحاضرة تضمنت وجهة نظره حول السياسة الاميركية تجاه لبنان وسورية وفلسطين واسرائيل، قائلا ان «من الصعوبة بمكان الفصل عمليا بين المسارات حتى لو انسحب الاسرائيليون من جنوب لبنان بفعل الخسائر التي الحقتها المقاومة بهم»، وتحدث عن بقاء «غرف مظلمة» في عمليات تفكيك المسارات بينها مزارع شبعا والاسرى، اضافة الى ان «تجميد مسار التفاوض عل جبهة الجولان وعدم اعطاء الفلسطينيين حقوقهم واستمرار الانتهاكات للاجواء اللبنانية امور ستعيد ربط المسارات حكما ان لم يكن مباشرة فبالواسطة»، ونصح السياسي اللبناني للسفير الاميركي بأن «لا تخطئ واشنطن في العنوان، فالعنوان هو دمشق والحل مع دمشق كفيل بإطفاء جملة حرائق فلسطينيا ولبنانيا اما العكس فغير صحيح».

وعندما حاول الديبلوماسي الاميركي اسداء نصيحة بان لبنان يستحق ان يهدأ وان منطق ضيفه لا يأخذ في الحسبان الأثمان المأسوية التي قد تطال اللبنانيين جراء الاستمرار الدائم للمواجهات، رد السياسي اللبناني ببيت لاحد الشعراء الفلسطينيين: «ليس بعد تحتنا تحت» وهو البيت الذي بقي السياسي نفسه يردده لاحقا في اكثر من حوار تلفزيوني له للدلالة على ان من اعتاد التضحيات لا يهتم بزمن قليل ودم جديد.

الديبلوماسي انتقل الى منصب رفيع المستوى في الخارجية الاميركية, السياسي اللبناني صار وزيرا ثم سقط في الانتخابات التي جرت اثر جريمة اغتيال الرئيس الحريري, غازي كنعان صار وزيرا للداخلية السورية ثم « انتحر» بعد استماع لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري الى افادته, جبهة الجولان بقيت هادئة, فلسطين بقيت مشتعلة,,, ولبنان « ليس بعد تحته تحت».