المواجهة في الشمال ومثيلتها الدائرة في قطاع غزة تدلان من جديد انه من المستحيل تجاهل جيراننا من الخصوم وتجاهل حاجاتهم ومصالحهم بواسطة الاساليب الاحادية الجانب من اجل تثبيت وقائع سياسية على الارض. فهذا الخصم تحركه دوافع متعددة ومختلفة وسيبذل كل ما في استطاعته ليثبت وجوده وللدلالة على أهميته وبصورة خاصة في وجه من يتجاهله – وهذا هو وضع سوريا والفلسطينيين. اخفاق اسرائيل وسوريا في التوصل الى اتفاق سلام في شيبردزتاون الذي كان من شأنه ان يثمر عن اتفاق سلام ايضاً مع لبنان مقابل انسحاب اسرائيلي من الجولان ومن جنوب لبنان أدى في نهاية الامر الى الانسحاب من جنوب لبنان من دون اتفاق وتجاهل سوريا وتهديد "حزب الله" لخط الحدود. ولم يقض اعتراف المجتمع الدولي بتطبيق القرار 425 من جانب اسرائيل على المصلحة السورية في استعادة هضبة الجولان وانما زاد مساعي الاسد من اجل تحقيق ذلك. لقد اختارت دمشق العمل بواسطة "حزب الله" من الاراضي اللبنانية وليس من الهضبة بسبب ازدياد ضعفها الذي اجبرها على عقد حلف عسكري مع ايران مما يتعارض مع الوضع التاريخي للمنطقة. ان ضرب "حزب الله" ودخول الجيش الاسرائيلي الى الجنوب من اجل انشاء قطاع أمني جديد يقلص من خطر الكاتيوشا القصيرة المدى ويحد من الردع الايراني في مواجهة اسرائيل هو اقصى ما يمكن ان يحققه الجيش الاسرائيلي. اما اطلاق سراح الجنود الاسرى ونشر الجيش اللبناني والقوة الدولية بامكان اسرائيل تحقيقهما من طريق اتفاقات مع لبنان وبدعم كبير من المجتمع الدولي كل ذلك شرط ان يعطى "حزب الله" شرعية بقائه كقوة مدنية في الحياة السياسية اللبنانية تساهم في استقرار لبنان وهذا ما يسعى اليه ايضاً المجتمع الدولي. ومن اجل الحؤول دون عودة "حزب الله" كقوة عسكرية ذات قدرة كبيرة، والاهم من ذلك من اجل تجريد ايران من قدرتها على فرض جدول الاعمال الاقليمي واستخدام ذلك رهينة في معارضتها للعقوبات ضدها،على اسرائيل والمجتمع الدولي العمل على تغيير موقع سوريا في المعادلة الاقليمية من طريق معاودة التفاوض معها بما في ذلك حول هضبة الجولان. وهذا التحرك من شأنه ان يحظى بدعم العالم العربي وعلى رأسه مصر والسعودية والعالم الاسلامي السني. أما بالنسبة للجبهة الفلسطينية فنظرية عدم وجود شريك استخدمها شارون للإنسحاب من غزة من اجل كسب الوقت وتدعيم السيطرة الاسرائيلية على يهودا والسامرة. لقد ادى تجاهله لمحمود عباس الى فوز "حماس" في الانتخابات وحمل اولمرت الى منصب رئاسة الحكومة على جناحي خطة الانكفاء – المحاولة الاحادية الجانب الجديدة من اجل ترسيم حدود اسرائيل. واذا قمنا اليوم باطلاق سراح الاسرى و معاودة المفاوضات مع ابو مازن في مقابل التعهدات الفلسطينية المطلوبة، يمكننا ان نضرب المصلحة القائمة بين "حماس" و"حزب الله"، وترميم حركة "فتح" الاكثر اعتدالاً وتشجيع تغيير التوجه في السلطة الفلسطينية الذي بدأ مع "وثيقة الاسرى". ورداً على الذين يقولون دائماً ان اسرائيل غير قادرة على اجراء مفاوضات على جبهتين اقول ان القيادة القادرة على خوض حرب على جبهتين باستطاعتها اجراء مفاوضات ايضاً على جبهتين... على حكومة اولمرت الا تخاف من عدم سير الجمهور وراءها، فلقد انتخبت وتألفت لأنها حكومة غير ايديولوجية ولا تشتمل على ممثلين من اليمين ولا من اليسار. والبراغماتية هي المظلة التي يقف تحتها حزب "كاديما". على اولمرت ان يكسر القيود المفروضة على تفكيره قبل حدوث الخضات الكبرى المنتظرة للمجتمع الاسرائيلي عند نهاية الحرب وعليه ان يسعى فعلاً الى ضمان امن الناس والناخبين بتحقيق الحدود الثابتة لدولة اسرائيل.