الحرب في الحقيقة انتهت ولو ان الطرفين ما زالا يجهلان ذلك. الجدل الحاد حول ما اذا كانت حرباً محقة سيحسم في الاشهر المقبلة. ولكن اسرائيل ليست مستعدة لما ستسفر عنه هذه الحرب مع كل المخاوف التي كانت لديها لدى بدئها.فالاختبار الكبير والحقيقي ليس في عدد القتلى ولا في تدمير منصات اطلاق الصواريخ ولا في المنازل المدمرة ولا في المعنويات - الحقيقية والمزيفة. فما سيحدد موقع اسرائيل خلال سنوات عديدة وسط هذا المحيط المضطرب هو طريقة تصرف الدولة والمجتمع المدني وسط هذه الحالة الجديدة. ليس بامكان اي لجنة تحقيق ان تحدد التوجه. هناك رؤوس كثيرة يجب ان تطير بصورة اساسية بسبب الفضيحة في معالجة شؤون الجبهة الخلفية. ان هذه الحرب التي تعتبر من اغرب الحروب في تاريخنا كشفت لنا فجأة عن الوجه البشع للعدو الموجود في ساحتنا الخلفية. ولا يبدو ان الوحشية التي لا سابق لها قد فتحت اعين الحكومة التي تعرف كيف تطلق النار ولكن عقلها يوازي عقل النملة.

ويبدو ان الحكومة لا ترى بوضوح ان الحرب كما في العديد من تواريخ الشعوب هي مناسبة للبدء بمسار سياسي جديد.يدرك اولمرت ان خطته للإنكفاء الاحادية الجانب قد اصيبت بصاروخ من الخارج. من الآن فصاعداً لا شيء سيكون أحادي الجانب؛ لا معالجة موضوع "حزب الله" ولا الانسحاب من الضفة، ولا الثرثرات المتعالية عن قدرة اسرائيل تسوية المسائل كما تشاء. العصر الجديد الذي فرض على اسرائيل الآن هو التحاور مع من يمسك بالخيوط سواء في الغرب ام لدى جيراننا. الجولة التي قمت بها في الاسابيع الاخيرة في شرق آسيا ساعدتني على تصور حجم الخطر الاسلامي الاصولي الذي يطل علينا من الشرق حتى اقصى اطراف المعمورة. ان النظر الى هذا المحور الاسلامي من شأنه ان يزرع الخوف اكثر من الخطر المحلي لأنه يغذيه من اعماق عميقة ليس فقط من ايران وسوريا ولبنان وانما ايضاً من اندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وتايلاندا وكل دولة لديها أقلية اسلامية. فالجماعة الاسلامية تريد دولة الشريعة في اندونسيا المسلمة ولكن التي في غالبيتها علمانية. وهذا ما يجري في جنوب تايلاندا وفي الفيليبين...

من اجل مواجهة هذه الكتلة الضخمة من التشدد الديني نحن بحاجة الى أكثر من القنابل الذكية. على سبيل المثال نشرت المجلة الاميركية "اتلانتيك" هذا الشهر مقالاً واسعاً تحدث عن انتهاء الحرب على الارهاب بالطريقة التي يخوضها جورج بوش وآن الاوان للقيام بمسعى ديبلوماسي انساني واسع بالتزامن مع الخطوات العسكرية الملائمة.

قد يكون من المفاجىء للكثيرين من الذين لم يرفعوا بعد اصبعهم عن الزناد في اتجاه لبنان وغزة والضفة ان نقول لهم ان الوقت حان للانتقال الى جبهة جديدة تماماً .فبعد القتل المتبادل نضجت الظروف لهجوم اسرائيلي واسع نحو المفاوضات مع حماس والحكومة الفلسطينية،كما آن الاوان للتحاور مع سوريا او على الاقل ان نطرق بابها. انه الوقت الملائم لاستخدام كل العبقرية الاسرائيلية رغم قيودها التاريخية المعروفة للتوجه نحو التفاوض الثنائي الواضح ونحو التسويات والشعور الانساني، وخفض تلك النبرة العنترية. لقد انفتح الطريق نحو عهد جديد، واذا لم يسارع أولمرت الى السير عليه بخطى واثقة في أبكر وقت ممكن عند الساعة الخامسة صباحاً وليس السادسة فان مصيبة ستقع لنا".