حرب تموز 2006 بين اسرائيل ولبنان أو بين اسرائيل و"حزب الله" كما يعتقد المجتمع الدولي او غالبيته، انتهت بصدور قرار مجلس الأمن رقم 1701 فجر يوم السبت الماضي بتوقيت لبنان وباعلان الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله موافقته عليه رغم تحفظاته الكثيرة عنه وكذلك بموافقة مجلس الوزراء اللبناني عليه بالاجماع في اليوم نفسه. وانتهت ايضاً باعلان حكومة اسرائيل الموافقة عليه امس الأحد. ولن يلغي حقيقة انهاء الحرب التأخر في تنفيذ مضمون القرار وإن بلغ اياماً قليلة او اسبوعاً او ربما اسابيع.

طبعاً الجميع الآن في لبنان والخارج وخصوصاً الذين يهتمون بتنفيذ كامل وسليم للقرار الدولي، مشغولون بالبحث في الوسائل التي تؤمن ذلك وفي الصعوبات التي ترافقه بغية الاسراع في وضع حد لمآسي اللبنانيين التي فاقت التصور حتى عند الذين لم يعتقدوا ان اسر جنديين اسرائيليين يمكن ان يولد رد فعل وحشيا كالذي ظهر من اسرائيل. والأطراف اللبنانيون والاقليميون المعنيون بحرب تموز اياها منشغلون بتحديد الارباح والخسائر وبالتفاصيل التنفيذية للقرار 1701 والتي تقلص الأولى او تعزز الثانية وذلك وفقاً لموقع كل منهم وسياساته.

وهذا الانشغال ضروري ومهم فضلاً عن ان لا مفر منه. لكن الاهم منه أو بالأحرى الذي يوازيه اهمية هو الوضع اللبناني بعد انتهاء الحرب وضرورة معالجته على نحو يقوي الوحدة الوطنية ذات البعد الانساني "الطابش" فيها والتي ظهرت اثناءها وينقلها من الانسانية الى السياسية. ذلك ان حرباً بالحجم الذي رآه اللبنانيون وبالدمار الشامل الذي اوقعته والخسائر البشرية التي تسببت بها لا يمكن معالجة آثارها وذيولها بسطحية وبنية توظيفها سياسياً بالمعنى الضيق لكلمة سياسي وذلك بقصد استغلالها لترسيخ واقع سياسي، يؤسس لحروب جديدة في المستقبل ليس مع اسرائيل العدو.

وتلك حروب تبقى ممكنة ما بقيت اسرائيل على رفضها حل قضية فلسطين استناداً الى قرارات مجلس الأمن وما بقيت الولايات المتحدة داعمة لها "ظالمة او مظلومة". واذا كانت مقاومة اسرائيل "جهادا" دينياً في نظر المسلمين ولا سيما "حزب الله" ومقاتليه وواجباً وطنياً في نظر المسيحيين، فان هناك مكانه جهاداً آخر مطلوباً في مرحلة ما بعد الحرب وواجباً وطنياً هما بذل المسيحيين والمسلمين جهوداً جبارة كي لا يعقب الحرب مع العدو حرب داخلية قد تبدأ سياسية او قد تطلقها فتن واغتيالات وتفجيرات. وكي لا يظن البعض ان في هذا القول سوء نية واشارة مبطنة الى قوى اقليمية شقيقة وصديقة نقول ومن دون إغفال اي احتمال لتورطها او تورط بعضها في امور كهذه انطلاقاً من حسابات مصلحية ان اسرائيل وربما حلفاءها قد تكون اول الداعمين للفوضى والفتن في الداخل اللبناني لأن ذلك وحده ينجح في تحقيق ما عجزت عنه الآلة العسكرية الاسرائيلية الحديثة والضخمة والمتفوقة على دول المنطقة وهو بلغة اسرائيل نزع سلاح "حزب الله" وضربه كي لا يبقى خطراً جدياً عليها بخلفياته الايرانية والسورية وبلغة اللبنانيين ومعظم العرب نقل هذا السلاح الى دولة لبنان كي تحمي شعبها بواسطته من اعداء الداخل واعداء الخارج وفي مقدمهم اسرائيل.

قد يقول البعض ان الكلام المفصل أعلاه سابق لأوانه وخصوصاً بعد اجتياز الوحدة الوطنية، وان انسانية في معظمها، الامتحان وانه يعكس خبث اصحابه او سوء نيتهم. وقول كهذا ليس في محله على الاطلاق. فالتخطيط لتلافي السيئ أو الأسوأ افضل بكثير من محاولة معالجته بعد حصوله لأن الضرر يكون قد حصل. فضلاً عن ان بعض ما نسمعه على شاشات التلفزة من شخصيات سياسية بعضها يفتقر الى الخبرة والنضوج وربما المعرفة بتاريخ لبنان والمنطقة يثير الخوف بل الهلع من المستقبل وعليه. فقبل ايام قليلة قال عضو فاعل جداً في "التيار الوطني الحر" في حلقة حوار تلفزيونية صباحية في معرض تعليقه على الحرب ما معناه ان الشيعة حرروا الارض من اسرائيل واستعادوا السيادة التي انتهكتها ولا تزال تنتهكها ونحن (يعتبر نفسه يمثل كل المسيحيين اللبنانيين) حررنا لبنان من الوصاية السورية واستعدنا السيادة منها، اما السنة فقد انضموا الى عملية التحرير الثانية ولم يكونوا في اساسها. طبعاً حاول هذا العضو الفاعل جداً استدراك ما قاله. لكن الضرر حصل. وهو كشفه ربما خلفية لمواقف من ينتمي اليهم تؤذي لبنان ووحدته وتمهد لحرب اهلية علماً ان زعيم التيار الذي ينتمي اليه قد لا يكون من أصحاب هذا الرأي علناً ورسمياً على الاقل. وعلماً ايضاً ان في بعض ما قاله العضو اياه تزويراً للتاريخ والحقيقة. فحرب التحرير التي شنها مؤسس التيار منذ عام 1988 حتى عودته الى لبنان في ربيع 2005 ، ونحن لسنا الآن في معرض تقويم هذه الحرب ونتائجها وارتداداتها وسلبياتها وايجابياتها والتي استمرت قرابة خمسة عشر عاماً ما كان يمكن ان تنجح وخلافاً لكل ادعاء آخر ولو استمرت ثلاثين عاماً او قرناً لو لم يشارك فيها مسلمو لبنان أولاً بالزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط ولو لم يخضها بكل ثقله ووزنه المحليين والاقليميين والدوليين الرئيس الشهيد رفيق الحريري. طبعاً قد يقول البعض ان ما قاله العضو الفاعل نفسه زلة لسان. لكن زلات اللسان غالباً ما تكشف حقيقة المواقف والنيات. فضلاً عن انه (أي العضو) كان أحد أبرز واضعي التفاهم مع "حزب الله" وعن ان اعلان التفاهم تم في كنيسة مارونية وبعد يوم من استباحة "مشاغبين" سنة مدسوسين على ما قال زعماء السنة لأحد الأحياء المسيحية الكبيرة في العاصمة. في أي حال ان الفتنة تحتاج الى فريقين أو أكثر. والفريق الثاني الذي هو الاول فعلاً وواقعاً أي "حزب الله" لا ينوي دخول مغامرات الصيغ الثنائية المسببة لحروب أهلية الآن أو مستقبلاً رغم خشية جهات لبنانية عدة ان يكون لديه تصور لدولة لبنان الجديد يختلف عن دولة اتفاق الطائف، او يتناقض معها. أما الفريق الأول اي "التيار الوطني الحر" فلا نعتقد انه في العمق من انصار صيغ وتحالفات تدمر البلاد. صحيح انه بالغ في التأكيد ان تفاهمه و"الحزب" حل المشكلة في الداخل وتحديداً مشكلة السلاح وخصوصاً في حال استعادة مزارع شبعا وتنفيذ شروط أخرى وذلك غير دقيق لأن "حزب الله" على ما يعرف كثيرون من متابعي مسيرته منذ نشأته لم يقرر حتى الآن التخلي عن السلاح ولا يزال يفتش عن صيغة تتيح له السيطرة عليه وتتيح قيام نوع من الدولة التي ستبقى ضعيفة ما لم تحتكر حمل السلاح في البلاد. وصحيح انه بالغ ولا يزال يبالغ في قدرته على التأثير على الحزب ذي الوجود الشعبي القوي جداً والامتدادات الاقليمية المعروفة. لكن صحيح ايضاً ان تفاهمه والحزب ساعد في اشاعة خلق اجواء التضامن اللبناني اثناء الحرب البربرية الاسرائيلية على لبنان. وصحيح ايضاً ان مواقف اطراف لبنانيين معنيين قد تكون دفعته الى السير في اتجاه مخالف للذي كان فيه.

في النهاية ان "التيار الوطني الحر" بزعامة العماد ميشال عون صاحب الرصيد الوطني والسياسي الكبير يستطيع ان يقوم بدور بالغ الاهمية في هذه المرحلة من تاريخ لبنان وذلك بتحوله جسراً بين كل الاطراف اللبنانيين وبوضعه مصلحة لبنان الدائمة فوق مصالحه وطموحاته وبضغطه عليهم جميعاً لبناء وطن لا يشعر اي شعب فيه انه مقهور من الشعوب الأخرى فيه ايضاً. وفي النهاية أيضاً لا بد من الاشارة الى انني ترددت في كتابة هذا المقال ليس خوفاً من التيار وزعيمه بل رغبة في تلافي اي سجال ولاسيما في ظل غياب سعة الصدر احياناً عندهما وفي ظل انتقادهما الدائم للصحافة والاعلام الا اذا كانا مؤيدين لهما. لكن مصلحة البلاد التي لا أزعم انني وحدي حريص عليها جعلتني اتجاوز التردد وكذلك معرفتي بان العماد عون في اعماقه شخصية وطنية صادقة ذات تمثيل شعبي واسع قادرة على التعاون مع الآخرين للانقاذ ومؤهلة لكل المواقع التي تطمح اليها ولكن بعد ترتيب الاولويات عندها.