مخلص الصيادي

في الصومال تقول الأنباء أن قوات الحكومة الصومالية مدعومة بالقوات الأثيوبية تمكنت من إقاع هزيمة بقوات المحاكم الاسلامية ، وسيطرت على عموم الأراضي الصومالية ، وتشير هذه الأنباء إلى ثلاثة عناصر إضافية :

الأول : أن القوات الأثيوبية لن تبقى لأكثر من أسابيع في الصومال

الثاني : أن الطائرات الأمريكية قصفت تجمعات في الصومال بدعوى أنها مواقع لأنصار من القاعدة مطلوبة لديها.

الثالث : أن المجتمع الدولي لم يتخذ أي اجراء ولو نظري إزاء هذا الصراع وطبيعته .

هذا هو مختصر الوضع في الصومال وفق ما تناقلته وكالات الأنباء ، فهي هذه هي الحقيقة فعلا ؟! في هذا المقال محاولة لتسليط الضوء على حقيقة الوضع في الصومال وعلى طبيعة القوى المتصارعة فيه محليا وإقليميا ودوليا . وكيف يمكن لقومي عربي أن يرى مسار هذا الصراع وطبيعته .

الصومال : أسير الجغرافيا السياسية

تيسطر الصومال الذي أعيد بناؤه بعد نيل الاستقلال ، والتوحد - باستثناء جيبوتي –عام 1960 على منطقة القرن الأفريقي التي تتحكم بمداخل البحر الأحمر ، وتمثل حاضن الوسط الأفريقي على المحيط الهندي ، وبالتالي يمثل منطقة استراتيجية حيوية لكل قوة دولية ، وتزداد أهميته لهذه القوة أو تلك بازياد دورها ، وبازدياد مصالحها ، وحينما صارت الولايات المتحدة هي قائدة النظام الدولي الجديد بعد تفكك الاتحاد السوفياتي ، صار لزاما من وجهة نظر المصالح الأمريكية أن تسيطر على هذا البلد دون أن ينازعها أحد .

وإلى جانب الولايات المتحدة كانت هناك دائما أثيوبيا كدولة إقليمية مركزية تتطلع للسيطرة على هذا البلد سيطرة كاملة ، بعد أن استطاعت أن تحتفظ بسيطرتها على اقليم أوغادين الصومالي ، وحينما تمكنت أرتيريا من تحقيق استقلالها عن اثيوبيا ، وافتقدت هذه الدولة الأفريقية – التي كانت يوما ما إمبراطورية اقليمية – إطلالتها على المحيط وتحولت الى دولة داخلية ، أصبحت السيطرة على الصومال مطلبا شديد الأهمية لها .

وتشير الوقائع الى أن اثيوبيا كانت منذ استقلال الصومال ووحدته تعمل على تحقيق السيطرة عليه ، لذلك كانت تحالفات كلا البلدين الدولية في مرحلة القطبية الثنائية متنافرة ، فحين تكون الصومال منفتحة على الاتحاد السوفياتي تكون الحبشة متجهة الى الولايات المتحدة والعكس صحيح ، ولذلك أيضا كانت تحتضن المعارضة الصومالية ، وهي التي احتضنت الرئيس الصومالي الحالي عبد الله يوسف منذ تمرده على الرئيس الصومالي السابق محمد سياد بري حينما أرسله ليقاتل على جبهة اوغادين عام 1977 فاختار الالتحاق بالجانب الآخر .

وإذ سقط حكم الرئيس بري ، ودخل الصومال مرحلة التفتت القبلي ، وفشلت الولايات المتحدة فشلا ذريعا في تحقيق السيطرة العسكرية على هذا البلد بعدما غاصت في رماله المتحركة ، واضطرت ومعها قوات الأمم المتحدة من الانسحاب صاغرة في العام 1994 فإن الاستراتيجية الأمريكية تجاه الصومال تحددت في التالي :

إما أن يكون الصومال تحت الهيمنة الأمريكية ، أو لايكون هناك صومال أصلا ،

وقد استمرت واشنطن معتمدة هذه الاستراتيجية طوال الفترة التي اعقبت هزيمتها في الصومال ، وكان معنى هذه الاستراتيجية ،أن يبقى أمراء الحرب مسيطرين على الشارع الصومالي ، وأن يبقى الصومال مجزءا الى قبائل ومناطق ، و قدم اعلان تنظيم الحركة الوطنية الصومالية المدعومة من اثيوبيا انفصال شمال الصومال – الصومال البريطاني سابقا – تحت اسم جمهورية أرض الصومال مشهدا من مشاهد المصير الذي ينتظر هذا البلد .

وجاءت كل الجهود التي قامت بها منظمة الوحدة الأفريقية – التي تحولت الى الاتحاد الافريقي – والتي قامت بها جامعة الدول العربية في إطار توكيد وتعزيز هذا الدور الأثيوبي الذي نال رضى وتشجيع واشنطن ، والذي من هدف إلى اقامة نظام دولة فدرالية تحافظ على التوزيع القبلي والجهوي ، وتمنع بناء دولة ذات أجهزة مركزية فاعلة ، ويبقي الصومال تحت السيطرة والهيمنة الأثيوبية – الأمريكية ، لايملك القدرة ولا الإرادة لمواجهة هذا الوضع . وقد جاء مؤتمر نيروبي عام 2004 وإقرار الدستور الفدرالي واختيار مثل هذا الرئيس ليعزز هذا الوضع ، بعد أن فشلت محاولة إخراج الصومال من مأزقه عبر مؤتمر جيبوتي عام 2000 حين اختير عبدي قاسم صلاد رئيسا مؤقتا للصومال

المحاكم الاسلامية

لكن هذا السيناريو الذي مشت فيه واشنطن ، وكذلك الدول الاقليمية كان يفتقر الى إدراك حقيقتين واضحتين في الصومال :

الحقيقة الأولى : أن الصومال بلد عربي مسلم ، وهو من بلاد الأطراف ، بمعنى أنه يحمل من خصائص العربية ، بمثل ما يحمل من خصائص الأفرقة ، لكن الاسلام جعل من المكونين وحدة متماسكة على صعيد القيم ، والتشريعات ، والأساس الاجتماعي ، وأن الغياب العربي الرسمي الفاعل عن هذا البلد منذ الثمانينات ، لايعني غياب هذا البلد عن هذا الانتماء المتنوع والأصيل.

الحقيقة الثانية : أن تاريخ الصومال ليس تاريخ تناحر قبلي ، وصراع مناطق ، وإنما تاريخ نضال في مواجهة الاحتلال الايطالي ، والفرنسي ، والانكليزي ، والأثيوبي منذ بدأ هذا الاحتلال عام 1884م ، ويحمل هذا التاريخ أسماء مجاهدين وثوارا كبار ا، كما يحمل أسماء تشكيلات سياسية مجاهدة ، أي أن لدى الصوماليين تراث ، وذاكرة نضالية وحدوية مهمة وفاعلة ، ولقد أضر الحكم الديكتاتوري للرئيس السابق محمد سياد بري الذي استمر منذ العام 1964 الى العام 1991 بهذا التاريخ وشوهه ، وولد معارضات اتصلت وارتبطت بالدول المجاورة وبمطامحها ، لكن مراحل قتال امراء الحرب ، واشتداد الصراع الدولي حول الصومال ، ووضوح الهجوم الغربي على الاسلام ، كل هذا مثل باعثا لتلك الروح الكفاحية والوحدوية للصوماليين

لقد عملت هاتين الحقيقتين على إيجاد المناخ لولادة ظاهرة المحاكم في الصومال ، والتي كانت في بدايتها حركة اجتماعية تبتغي تأمين الخدمات ، والأمن ، والسلامة الشخصية للصوماليين في الأحياء والأماكن التي تقوم فيها ، ثم لم تلبث أن تطورت الى حركة سياسية تهدف إعادة بناء الصومال على قاعدة : الوحدة السياسية ، والاجتماعية ، والأمنية ، والقانونية ، وجعل الشريعة الاسلامية التي يتحاكم اليها الصوماليين اساسا لصومال المستقبل .

واستفادت الحركة في صعودها الأولي من حقيقة تناقض عدد من دول الجوار الاقليمي مع التطلع الأثيوبي للهيمنة على مجمل القرن الافريقي ، وفي مقدمة هذه الدول تأتي أرتيريا ، التي كانت حتى فترة قصيرة سابقة تحت الاحتلال الأثيوبي .

إن الصوماليين الذين خبروا المحاكم الاسلامية خلال أشهر قد لاتزيد في أحسن الأحوال عن أصابع اليد الواحدة ، عرفوا أنها تريد بناء دولة صومالية موحدة ، تنتهي فيها نهائيا ظاهرة أمراء الحرب ، وتسيطر فيها الدولة المركزية على ثروات البلاد ، لتجعلها بيد أهل هذا البلد ،ولخدمة مصالحهم ، وهي ثروات كثيرة ، ويبنى فيها جيش حقيقي مركزي ، وقوات أمن حقيقية ، وقد عاش الصوماليون خلال سيطرة المحاكم وضعا من الأمان والتماسك والاستقرار لم يروا مثيله منذ ما قبل انهيار الحكومة المركزية قبل ربع قرن ، بل إن المحاكم تصرفت - خلال هذه الفترة - مع قادة الميليشيات ، وأمراء الحرب السابقين تصرفا حضاريا مبنيا على التسامح وبعيدا كل البعد عن أي روح للإنتقام ، أو نبش الماضي ، وكان مطلبها الوحيد من الجميع ، الخضوع للقانون العام ، وإنهاء ظاهرة التسلح القبلية ، والفئوية ، والمناطقية . والتراجع عن اقتسام ثروات البلاد استنادا الى توزع مناطق النفوذ .

وكان واضحا أن المحاكم تبسط سيطرتها على المزيد من المناطق الصومالية على الأغلب بدون قتال ، وإنما بظاهرة انضمال منطقة تلو الأخرى الى حكم المحاكم الاسلامية، وأنها حيثما وجدت تلقى ترحابا شعبيا غير مسبوق .

المواجهة وقواها

هذه الطبيعة لحركة المحاكم الاسلامية ، وهذا الاستهداف الذي تتجه اليه ، وهذا التلقي الشعبي لها حرك القوى المضادة ، وهي بالتحديد اثيوبيا ، والولايات المتحدة ، ويجوز أن نقول اثيوبيا بتفويض من واشنطن - رغم ادراكنا أن تطلع اثيوبيا للسيطرة على الصومال سابق من حيث الزمن وجود واشنطن في القرن الأفريقي – أما الدول الأخرى التي ظهرت في صورة هذه المواجهة ، ومن ضمنها جامعة الدول العربية ، والاتحاد الأفريقي ، فإن دورهما في الحقيقة لم يتعد دور شهود الزور .

في تبرير واشنطن لموقفها من المحاكم بداية ، ولدعمها العدوان الأثيوبي قالت إن الصومال تحت حكم المحاكم صار ملجأ للقاعدة ، وحين قصفت طائراتها مؤخرا معاقل صومالية في اقصى جنوب الصومال على الحدود مع كينيا - وكان نتيجة القصف استشهاد وإصابة عشرات المدنيين - زعمت أنها استهدفت شخصيات من القاعدة متهمة بالهجمات على أهداف أمريكية في افريقيا ،

أما اثيوبيا فقد بقيت لأيام تنفي أي تدخل لقواتها في هذه المعارك ، في حين كانت قوات المحاكم تؤكد دخول القوات الأثيوبية الصومال ، ولما لم يعد ممكنا إخفاء ذلك اعترفت بهذا الدور لكنها زعمت أنها تقوم بدعم قوات الحكومة الصومالية المؤقتة فقط .

ولم تكن واشنطن صادقة فيما ذهبت اليه من حجج ، وتأكيدا لدورها في رعاية المهمة الأثيوبي تكفلت بمنع مجلس الأمن الدولي من اتخاذ أي موقف ازاء دخول قوات دولة أراضي دولة أخرى ، وبدا مجلس الأمن الدولي هو الآخر شاهد زور على عدوان يرتكب في وضح النهار ،وأمام الجميع .

هل صحيح دخلت القوات الثيوبية الصومال دعما للقوات الحكومية ! الزعم هذا مخز لأنه قائم كذلك على الكذب الواضح ، وما تم حقيقة أن القوات الأثيوبية احتلت الصومال ، مدعومة عسكريا وسياسيا بالولايات المتحدة .وليس هناك شيء حقيقي اسمه قوات الحكومة الصومالية . أما قيمة الحكومة الصومالية المؤقتة ورئيس الصومال المؤقت فإنها ظهرت على الفور ، ودون أي غطاء أو محاولة تمويه ، فقد دخل الرئيس والحكومة الى العاصمة الصومالية تحت حراب المحتل وبحمايته، وحينما قامت القوات الأمريكية بقصف السكان الصوماليون في الجنوب قال دون أي حياء أن هذا ليس عدوان على الصومال والصوماليين وإنما هو حق للولايات المتحدة ، وهذا الموقف المخزي لم تجرؤ أي مؤسسة دولية ، أو جهة مسؤولية أن تتخذه أو أن تقبله وتروج له دعما وتبريرا .

نظرة الى المستقبل

تمكنت قوات الاحتلال الأثيوبية من السيطرة على الصومال ، وتفرقت قوات المحاكم الإسلامية ، وباتت وكأنها غير موجودة ، وتعمل واشنطن لتمرير قرار دولي أو تشكيل حالة اقليمية تسمح بوجود قوات دولية أو متعددة الجنسيات في الصومال تضمن السيطرة على هذا البلد ، وتوفر للحكومة الصومالية امكانية الاستمرار ، كما تسمح بانسحاب ولو شكلي للقوات الثيوبية ، وواضح أن واشنطن التي خرجي عام 1994 مهزومة من هذا البلد غير جاهزة لإرسال قواتها مجددا الى الصومال ، وهي ما تزال غارقة في رمال العراق القاتلة ، ومن هنا يبدوا أنها تعتمد اعتمادا قويا على إثيوبيا وتسند اليها الحرب بالنيابة عنها ، فهل هذه الوضع يعني أن المعتدين انتصروا ، وأن قوات المحاكم انهزمت ، وأن واشنطن المهزومة في العراق ، وفي افغانستان ، وفي فلسطين ، وفي لبنان ، سجلت نصرا في الصومال ؟

ظواهر الوضع قد تدفع الى القول بذلك لكن التدقيق في الأمر، والقياس على ماتم في العراق ، وقبلها في أفغانستان، يدفعنا الى ترجيح أن ماحدث لايعدوا أن يكون جولة، وأن المحاكم تمضي في طريق مقاومة متصاعدة يتحول فيها الصومال الى حالة مقاومة تزيد من مأزق السياسة الأمريكية في المنطقة ، وتفتح أفقا لتغيير شامل في المنطقة كلها . وقد بدأت المقاومة بهجمات مستهدفة قوات الاحتلال الأثيوبية منذ اليوم الأول، كما انطلقت هذه المقاومة في ظل تظاهرات شعبية مؤيدة للمحاكم ومنددة بالاحتلال الأثيوبي ، اي أنها انطلقت في بيئة مواتية ، دعما وحماية .

يجب أن نعترف أن سياسة المحاكم في الأشهر السابقة تجاه قوى صومالية ، ومشكلات صومالية ،وتجاه تحركات ومشروعات سياسية لم تكن مثالية ، وقد أهدرت فرصا كان يمكن أن تؤجل من وصول الصراع بهذه السرعة الى هذا الحد ، كما أنها أثارت قوى كان يمكن أن تكون الى جانبها أو أن تكفل وقوفها على الحياد ، وكشفت هذه السياسات عن ضعف في خبرة العمل السياسي , وضعف في إدراك مفهوم الأولويات في العمل السياسي ، وهو مفهوم جوهري في ممارسة السياسة وفي فرص تحقيق مكاسب .

نعم وقع ذلك من المحاكم ، لكن الإشارة الى أخطاء وقصور في حركة وسياسة المحاكم لايجوز أن يغيب عن أنظارنا حقيقة أن قرار مواجهة التحالف الأمريكي - الأثيوبي للمحاكم لم يأت نتيجة أخطاء هذه السياسات ، وإنما بسب ما تمثله المحاكم من مشروع حقيقي لبناء صومال جديد ، صومال يحتفظ لنفسه ولأبنائه بانتمائه الاسلامي ، وانتمائه لمحيطه العربي ، واستثماره لثروته الجيوسياسة في تعزيز تحرر القارة الأفريقية .

إذا كان الأمر كما بسطناه – ونعتقد أنه كذلك – فإن النظر الى الوضع الصومالي يجب أن ينطلق من اقتناع حقيقي بأن المعركة في الصومال هي جزء فاعل من المعركة العامة التي أحد أطرافها قوى العدوان ممثلة بالولايات المتحدة وحلفائها وعملائها ، وطرفها الآخر الإرادة الشعبية ، وهي معركة تمتد من أمريكا اللاتينية الى افريقيا ، وفي نطاقنا العربي والاسلامي تغطي الساحة من أفغانستان إلى العراق مرورا بلبنان وفلسطين وغيرهما ،

ان هذا الذي نذهب اليه لايعني أبدا أننا لانحمل – نحن القوميين العرب - نقدا حقيقيا لهذه القوة أوتلك في بلدان المواجهة ، لا يعني أبدا أننا نوافق بالكامل ، على رؤى وممارسات ، لقوى المقاومة في كل هذه البلدان ، وعلى كل معاركها ، لكن ما يجب أن يكون واضحا أن ما نوجهه من نقد ، وما نرفعه من إشارات اعتراض ، إنما يتم في إطار يقيننا بأن هذه جميعا قوى مقاومة ، لكل منها طبيعتها ، ولكل منها مهامها ، ولكل منها أخطاؤها ،لكنها جميعا تقف في الموقع نفسه ،

كذلك فالعدو واحد ، وهزيمة العدو في أي من هذه الساحات هو إضعاف له في أي ساحة أخرى ، وجميع هذه المقاومات تمثل تمثيلا حقيقيا القوى الرئيسية في مجتمعاتها ، وهي من هذه الزاوية تعزز إمكانات اللقاء بينها في كل حين ، وتفرض عليها الاتحاد والتعاضد وتبادل الدعم . والانتظام في معسكر واحد، هو معسكر المقاومة ، وثقافة المقاومة ، وارادة المقاومة