لو سئل أي مسؤول سوري أو مصري عن رأيه بما آلت اليه العلاقة بين البلدين هذه الأيام فسيؤكد متأسفا على إستمرار "الجفاء" بينهما، لكنه سيتكلم جازما وبيقين في ما بعد عن عودة دفء لا بد آتية رغم كل ما شاب العلاقة منذ "حرب تموز" الاسرائيلية على لبنان وما تبعها من مواقف متباينة بين قيادتي البلدين. يقول ديبلوماسي مصري في دمشق: "العلاقة التي تربط دمشق والقاهرة، والرئيس مبارك بالرئيس بشار الأسد أكثر من خاصة"، ويضيف: "لا أحد ينسى أن الرئيس الراحل حافظ الأسد والرئيس حسني مبارك كانا زملاء وأصدقاء (طياران حربيان) قبل أن يصبحا رئيسين". ويتابع: "لا ننسى الوحدة بين البلدين (1958-1961)، والمعارك المشتركة التي خاضها البلدان دفاعا عن قضية ومبادئ واحدة (حرب تشرين 1973). ليخلص الى "العلاقة بين الرئيسين مبارك وبشار الأسد والبلدين عميقة وخاصة رغم كل ما يشوبها اليوم".

على المستوى الرسمي في سوريا، ثمة حذر من توجيه أي نقد أو إساءة الى مصر، وثمة حرص و إيمان بخصوصية العلاقة بين البلدين رغم التباينات في الموقف إزاء "حرب تموز". رغم ذلك ما زال البلدان يراقبان جيدا بعضهما البعض. مصر مثلا، تراقب جيدا ما يكتب في الصحافة الرسمية والمواقع الالكترونية السورية التي تعمل من داخل دمشق. لكن ثمة مبالغة في تقويم القاهرة لما ينشر هنا وهناك، الى درجة الاعتقاد بأن كل ما ينشر، وخاصة إذا تناول مصر وسياستها بالنقد، ليس بريئاً!! كتلك المقالة التي تناولت بالنقد سياسة مصر الخارجية على أحد المواقع الالكترونية السورية رغم أن كاتبها ليس سوريا (فلسطيني)، وهو مقيم في دولة أوروبية منذ سنوات عدة، حيث من غير الوارد في ظل الحرص السوري الرسمي على علاقة ودية بالقاهرة، أن يكون ذلك النقد مقصودا، لكن مثل هذا الخطأ الذي وقع فيه ذلك الموقع الالكتروني غير الرسمي لافتقاد القائمين عليه للرؤية السياسية العميقة كان كفيلا بترسيخ اعتقاد مصري بأن ما جرى "مزعج".

طبعا الى اليوم يستمر النظر من خارج سوريا الى ما يكتب وينشر فيها سواء في الصحافة المكتوبة أو الالكترونية على أنه بتوجيه "من فوق"، لكن واقعيا، ليست هذه كل الحقيقة، إنها نصفها، فما زالت الرقابة على الصحف الرسمية مستمرة في ما يخص الشأن السياسي وعلاقات دمشق الخارجية وبخاصة مع الدول العربية، في الوقت الذي يترك فيه هامش نسبي للمواقع الالكترونية. كذلك ليس صائباً دائماً أن كل موقف نقرأه هنا وهناك في هذه الصحافة، كتب بتعليمات وتوجيهات من القائمين على العملية الديبلوماسية والسياسية. أحيانا يتناهى إلينا كصحافيين أن ثمة إنزعاجا رسميا مما قيل أو كتب هنا وهناك في صحف رسمية ومواقع الكترونية، ما يؤكد أن ثمة اجتهادات لبعض الكتبة وخاصة حين يوغلون نقدا وتشهيرا.

وبالعودة الى العلاقة السورية - المصرية، يجب الاعتراف أن ثمة ديبلوماسيين هنا وهناك يسعون "لحلحلة" ما أصاب العلاقة وإعادة الدفء لها. لكن يجب أن نبقى متذكرين دائما أن"رؤوسا حامية" ما زالوا مؤثرين وموجودين هنا وهناك رغم مركزية صناعة السياسة الخارجية واحتكارها من جانب المؤسستين الرئاستين في البلدين.

أصحاب تلك الرؤوس في القاهرة يقفون عند ما وجهته دمشق من نقد للموقف المصري إبان الحرب الاسرائيلية على لبنان، وبدورهم أصحاب الرؤوس الحامية في دمشق يقفون عند قضايا بروتوكولية ومواقف سياسية مصرية وكتابات هنا وهناك ويراقبون كل موقف وخطوة، ويستمرون بالتذكير بالموقف المصري إبان تلك الحرب في وقت كانت دمشق تشعر بأنها وحيدة في مؤازرة "حزب الله" في تصديه للعدوان الاسرائيلي، وفي وقت كان الطيران الاسرائيلي يصول ويجول قرب حدودها وسمائها.

هل يقوم الرئيس بشار الأسد بزيارة مفاجئة لينهي هذه البرودة؟ الى الآن لا يوجد ما يشير الى إستعداد لمثل هذه الخطوة، ثمة أوساط مراقبة هنا تقول إن الرئيس السوري ذهب أكثر من مرة وعلى التوالي الى القاهرة وشرم الشيخ، وقبل وقت ليس بقصير ذهب رئيس الوزراء الى القاهرة وشارك في اجتماعات ثنائية، لذلك فإن دمشق هي من تنتظر من الرئيس المصري مثل هذه الخطوة. لكن في القاهرة يعتقدون أن "العلاقة الخاصة بين الرئيسين والبلدين، أكبر من مثل هذه التعقيدات".

وبعد، هل يوجد ما هو ابعد من ذلك؟ نعم، فثمة حساسية مصرية من الدور الكبير لإيران في المنطقة ولما بات يربط إيران بسوريا في ظل صعود المخاوف من نفوذ إيراني وهيمنة في المنطقة، ومن ضمنها لبنان.

أما في دمشق، وحسب تلك الأوساط، فثمة حساسية سورية وعتب جراء النظر الى دمشق على أنها "لعبة" أو أداة في يد طهران، في وقت ترى أن علاقتها بطهران ندّية وأنه يمكن الاستفادة من إيران في قضية الصراع العربي - الاسرائيلي، وفي وقت يتم التغاضي مصريا وعربيا عن الهيمنة الاميركية على القرار في بعض العواصم العربية، وقبل ذلك إلتقاء مواقف ورؤى بعض الدول العربية مع الرؤى والمواقف الاسرائيلية، كتلك التي ظهرت خلال "حرب تموز".

لا ننسى أن ما يخيب أمل دمشق هو إحساسها بأنها تُركت من قبل بعض العواصم العربية (وليس الشارع) وحيدة خلال فترة الضغوط الاميركية والدولية عليها، في وقت وقفت فيه طهران وروسيا ودول آسيوية وأخرى من اميركا اللاتينية الى جانبها.