الدخان الأسود الذي جلبب مآذن المعابد والكنائس في سماء بيروت وكاد يلفّها كلها ويحجبها عن الناس... هل يؤذن بالحداد على الديمقراطية اللبنانية؟

لا نزال، ويجب ان نستمر نأمل في غير ذلك.

حظه كبير، ميشال شيحا، أبو الديمقراطية هذه، انه لم يكن هنا معنا امس في يوم الديمقراطية الأسود، لكان انتحر يأساً من مصير فكره وحداداً على ما كان يصفه بلبنان "العائلات الروحية المتعايشة"...

اذ كيف كان يمكن أن يحتمل رجل الضمير الفكري للدستورية ان يرى العائلات الروحية تحوّلت أحزاباً، بل ميليشيات (ولا نقول اكثر!) مسلّحة تتخاطب بالسلاح تهويلاً وترهيباً ثم اغتيالاً واقتتالاً؟

كان ييأس ميشال شيحا، وليس وحده بل كل مفكِّر دستوري، كانوا ييأسون جميعاً من ابتكار قواعد دستورية تتعامل بموجبها أحزاب لم تعد عقائدها وبرامجها أكثر من بيارق في ساحات حروبٍ انتحارية مستحيلة الانتصارات بائسة، تحاصر كلها أبسط حقوق الانسان وحريات المواطن، وتتسابق في اختراع ما تذوّق به وتنمق أشكال الاستبداد التي لا تبقي للشعب سوى فسحة الاختيار بين أكثرها جلالاً وأشدها طرباً.

... هذا عن ميشال شيحا، رحمه الله!

أما عن آباء "الدستور الطائف"، من ملوك ورؤساء ونواب، ومفكرين، فحظّهم أفضل، لأن هذا الدستور لا يزال طائفاً بنا وبذكراهم.

تحضرنا، بهواجس مفهومة البواعث، ذكرى ثلاثة منهم: المرحوم الرئيس رينه معوّض، وحظه هو الأكبر لأنهم استشهدوه قبل أن يحاول تدشين محاولة تطبيق هذا الدستور، ربما لأنهم (من "هم"؟... معروف ومفهوم!) قرأوا "مكتوبه" من عناوين خطبته الأولى.

ثم المرحوم الرئيس الياس هراوي الذي كان "انتحر" لو حاول أكثر مما فعل، وقد سقى ذلك بكثير من اليأس وتحدث حتى وفاته بسأم لعله عجّل فيها.

وأخيراً "عرّاب" الطائف، وشهيده، الرئيس رفيق الحريري الذي لو كان لا يزال حيّاً... لانتحر نهار أمس. حظه كبير انه لم يكتب مذكراته، وفي وسعه حيث هو ان يتبرأ من اية تفسيرات لطواف دستور كان الشهيد يعزي نفسه بالبقية الباقية من تفاؤله قائلاً لدعاة اليأس: "معليش... اصبروا علينا... بتضلّوا مستعجلين... شوفوا كم قطوع مرّقنا، من نزع سلاح الميليشيات التي سلّمت سلاحها، او سفّرته، او وجدت من يشتريه... مين كان بيصدّق؟... اصبروا بعد شوي؟".

ترى هل كان لا يزال يؤمن بهذه الدعوة الى الصبر عندما اغتالوه تفجيراً؟...

هذا الصبر، عندنا، بمثابة الوصية. ويجب ان نظل نحاول. الدخان الأسود ليس أطول عمراً، ولا أقدر بقاءً من ابراج المآذن واجراس الكنائس.

فسبحان الحي الباقي: الله، ولبنان متى يؤمن حقاً.

والى ميشال شيحا: ربما بالصلاة، اكثر من السياسة والقانون، تعود الروح الى عائلاتها (بالجمع، لا بالمفرق) ايماناً بالله، المحبة بدل تلاوة مزامير الكراهية والحقد التي لم تسمح ولا يمكن ان تسمح لا بالتعايش الوطني ولا بالتآلف الدستوري! يجب ان تبقى في عقولنا والقلوب بقية من التفاؤل بالايمان لئلا نستشهد كلنا، كفّاراً بالوطن.