غداة «اختبار القوة»، الذي شهدته بيروت ومناطق لبنان بأسرها، بكل ما تضمنه من رسائل للداخل والخارج، لم تصدر اية مواقف او اشارات تطمئن اللبنانيين الى غدهم الذي سيبقى مشرعا على الازمة السياسية المفتوحة في ظل الانقسام السياسي الحاد داخليا وكذلك التموضعات الاقليمية الحاصلة برغم كل التمويه الذي يتم من هنا أو هناك.

ولعل باب الرجاء الذي يعلّق اللبنانيون آمالهم عليه، «هو قدرة العاصمتين السعودية والايرانية على صياغة عرض متوازن ومتلازم ومقنع ومشرف لحلفائهما اللبنانيين، بشأن الحكومة والمحكمة الدولية وقانون الانتخاب» على حد تعبير شخصية لبنانية متابعة للمشاورات بين الرياض وطهران حول الملف اللبناني.

وقالت مصادر دبلوماسية عربية في بيروت ان الامين العام لمجلس الامن الوطني السعودي الامير بندر بن سلطان سيزور طهران، اليوم، وإنه سينقل رسالة من القيادة السعودية الى القيادة الايرانية تتعلق بالوضع في لبنان.

وأضافت انه نظرا الى خطورة الموقف في المنطقة وخاصة في لبنان، هناك حاجة الى تشاور مستمر بين الاطراف المعنية. وقالت مصادر دبلوماسية ايرانية «ان كل ما لدى الجمهورية الاسلامية الايرانية من علاقات وإمكانات ستوضع بتصرف وخدمة الشعب اللبناني

ونحن نوافق على كل ما يتفق عليه اللبنانيون تاركين لهم أمر التفاصيل».

وقال وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل، في مقابلة مع صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية نشرت، أمس، إن لبنان يشكل «النموذج الذي يعيش فيه السنة والشيعة معا»، مشيرا إلى أن «اللبنانيين، إذا تركوا، سيتوصلون إلى حل للأزمة، لكن إذا سعى آخرون لتصدير معركتهم إلى لبنان، فإن الوضع سيتعقد». وهاجم الفيصل محاولة باريس التقارب مع طهران، معتبرا أن إرسال موفد فرنسي إلى إيران لبحث كيفية التخفيف من حدة الأزمة في لبنان والعراق «تمنح الشرعية للتدخل الإيراني في العالم العربي».

وبحث الفيصل ونظيره الايراني منوشهر متكي في اتصال هاتفي آخر التطورات في لبنان. وذكرت وكالة «مهر» للانباء ان متكي والفيصل اكدا «على ضرورة مواصلة المشاورات لمساعدة الشعب اللبناني من اجل التوصل الى حل عادل يرضي الاطراف اللبنانية المعنية».

باريس تشرك طهران في التحضير لباريس 3

ومن طهران، الى باريس، فإن الملف السياسي اللبناني سيكون حاضرا في مناقشات المشاركين في مؤتمر باريس الدولي الداعم للبنان، الذي سيبدأ اعماله، اليوم، برئاسة الرئيس جاك شيراك. وهذا الملف ناقشه شيراك، امس، مع رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة الذي دخل، امس، للمرة الاولى، الى الاليزيه، منذ وصوله الى منصب الرئاسة الثالثة قبل ثمانية عشر شهرا. وقالت مصادر فرنسية لمراسل «السفير» في باريس ان الاتصالات مع ايران خلال عمليات التحضير لباريس 3 لم تتوقف وأكدت أن الامير بندر بن سلطان «يقوم بدور أساسي بين فرنسا وطهران، وهو زار باريس منذ أكثر من شهر بالتزامن مع بدء تحرك المعارضة اللبنانية في الشارع».

وأضافت المصادر «أن توفير بيئة ملائمة لإنجاح المؤتمر يصاحب منذ شهور المحاولات الدبلوماسية الفرنسية لفتح قناة مع طهران هدفها طمأنة الدول المانحة والصناديق الدولية بأن شروط إنجاح المؤتمر لا تقتصر فقط على انعقاده وهو ما يحدث اليوم، وإنما ايضا هناك تسليم فرنسي بأن تطبيق نتائج المؤتمر يتطلب اتفاقا مع المعارضة، ومن غير اتفاق مع المعارضة فإن مصير «باريس 3» لن يكون أفضل من سابقه، ولذلك تبرز الحاجة لتوفير إطار سياسي وطني وفاقي لبناني بين المعارضة والحكومة وبرعاية سعودية ايرانية فرنسية يبدو ان الاميركيين يتحفظون عليها».

وقال المتحدث باسم الرئاسة الفرنسية ان الرئيس شيراك اعرب للرئيس السنيورة خلال استقباله له، امس، عن امله في ان «تسود روح الوحدة والحوار واحترام المؤسسات الشرعية المنبثقة عن انتخابات ديموقراطية»، وذلك في رد على المطالبين بإجراء انتخابات نيابية مبكرة او تغيير او تعديل الحكومة.

السنيورة يرفض مطلب الانتخابات المبكرة

بدوره، رفض الرئيس السنيورة مطلب الانتخابات المبكرة، وقال في مؤتمر صحافي عقده في نادي الصحافة العربية في باريس («السفير») ردا على سؤال حول مطلب اجراء انتخابات مبكرة «لا يمكن تعديل الدستور عندما نشاء. يجب ان تتم الامور في وقتها. في هذا الجو المحتقن لا يمكن ان تتم انتخابات تؤدي الى مزيد من التشنجات». وحمل في حديث صحافي إيران وسوريا مسؤولية الاضراب والاحتجاجات.

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي ان مشاكل لبنان لا يمكن ان تحل «في الشارع»، داعيا سوريا الى «عدم التدخل» في شؤون جارها.

وشدد الوزير الفرنسي في مقابلة مع محطة «ال سي اي»، الفرنسية على انه «يجب ان يتمكن الجميع في لبنان من التوصل الى عملية سياسية. لا يمكن ان تحل مشكلة لبنان في الشارع او عبر حرب اهلية».

ودعا دوست بلازي سوريا الى ان «تقوم كما الآخرون بلعبة عدم التدخل» في شؤون لبنان. وأضاف ان فرنسا «لا ثقة لها بالسلطات السورية» في اطار التحقيق الدولي في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

الحريري: التصعيد يقابله تصعيد!

محليا، تواصلت ردود الفعل من جانب فريق الاكثرية على خطوة الاضراب العام وما رافقها من احتجاجات وأعمال قطع طرق في العاصمة والمناطق، فيما واصلت قوى المعارضة اجراء تقييمها الداخلي والسياسي الذي عبرت عن جزء منه تصريحات الامين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله وزعيم «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون بإعلان تمسكهما بمطلب الانتخابات النيابية المبكرة وانتقادهما سلوك السلطة وبعض رموزها الميليشياوية.

وفي اول رد فعل على ما جرى، وجّه رئيس كتلة «المستقبل» النيابية النائب سعد الحريري نداء الى اللبنانيين وصف فيه الاضراب بأنه كان «يوما أسود بامتياز لا يشرف أحدا من القائمين والداعين إليه، ويوم العيب الوطني العظيم، ولا مجال للمفاخرة به عند اي لبناني عاقل ومسؤول»، وقال «ان بيروت لن تسقط ولن نسلم قرارها الى وصاية المخابرات السورية»، مؤكدا «أن التصعيد لن يقابله سوى التصعيد في حماية لبنان، والانذار لن يقابله سوى الإنذار من تكرار العدوان على كرامة الدولة والمواطنين». ودعا انصاره إلى «التزام أقصى درجات اليقظة» والاستعداد للدفاع عن «كرامة لبنان». وقال إنه لا مجال للمباركة لهم على شيء «فلقد مزقوا العباءة التي يتدثرون بها. مزقوا عباءة بيروت».

نصرالله: المهلة للتسوية ضيقة وغير طويلة

في المقابل، قال السيد حسن نصر الله أمس، في اطلالة تقييمية على تحرك المعارضة، امس الاول، ان المطلوب من السلطة والفريق الخارجي الذي يدعمها ان يقرآ جيدا الرسالة القوية جدا من خلال تحرك المعارضة، مضيفا ان هناك مهلة زمنية للتسوية ولكنها ضيقة وغير مفتوحة، مؤكدا في الوقت نفسه ان «لا السعودية أو إيران في وارد إلزام او احراج اصدقائها في لبنان. وان اي توافق قد يحصل بين أي دولتين او حكومتين في العالم وإن كانا يحظيان بالتقدير لا يلزم اللبنانيين الذين يجب ان يبحثوا عن مصلحتهم الوطنية العليا الحقيقية»، مشددا على ان دور الدول الشقيقة او الصديقة هو مساعدة اللبنانيين على التوافق. وأكد نصر الله ان المعارضة ليست في وارد التراجع او التخلي عن اهدافها، ناصحا السلطة بأن لا تظن «ان جعبة المعارضة قد فرغت من خيارات اقوى وأشد تاثيرا»، مؤكدا قدرة المعارضة على اسقاط الحكومة غدا او بعده لكن الذي حال دون ذلك ليس الدعم الدولي بل حرص المعارضة على السلم الاهلي.

ونصح نصر الله كل المعنيين والحريصين والاصدقاء الذين يريدون مساعدة لبنان بأن المخرج الوحيد للمأزق السياسي الحاد هو بالدعوة الى انتخابات نيابية مبكرة وبوضع قانون انتخابي صحيح. ووصف الرئيس شيراك بأنه «المرشد الروحي لحكومة السنيورة» التي وصفها ايضا بأنها «حكومة ميليشيات تملك السلاح ومجموعات مسلحة».

عون: لماذا لم تنتقد المراجع الروحية المظاهر الميليشياوية؟

وقدم العماد ميشال عون تقييما مفصلا لوقائع ونتائج تحرك أمس الاول، واتهم ميليشيا «القوات اللبنانية» بمحاولة جر الساحة المسيحية إلى فتنة من خلال المجموعات المسلحة التي تعمدت إطلاق النار على المعتصمين في اكثر من مكان، مشيرا إلى أنه هو من طلب وقف الإضراب لمنع الفتنة التي سعوا إليها. وتوجه خلال مؤتمر صحافي عقده في الرابية إلى بعض المراجع الدينية التي انتقدت تحرك المعارضة لا سيما البطريرك الماروني نصر الله صفير والمفتي محمد رشيد قباني متسائلا لماذا صمتوا عما اقدمت عليه المجموعات الميليشياوية بينما هم استنكروا حرق الدواليب. وجدد مطالبته بإجراء انتخابات نيابية مبكرة ردا على القائلين بتراجع شعبيته في الاوساط المسيحية.

132 موقوفا لدى القضاء العسكري

الى ذلك، وجهت مديرية التوجيه في قيادة الجيش اللبناني، تعميما الى العسكريين حول مجريات يوم الاضراب، اكدت فيه «ان ما أوحي به حول تواطئكم او تقاعسكم اتهام لا ضير فيه اذا كان يساوي خلاص الشعب». واعتبرت ان جهود العسكريين «قد حالت دون تفاقم الوضع الى الاسوأ، واسهمت في تهدئة النفوس وافســــاح المجال امام ابناء الوطن الواحد للعودة مجــددا الى جادة الحوار والتلاقي».

وقالت مصادر قضائية لـ«السفير» إنّ الحصيلة النهائية للموقوفين، امس الاول، استقرّت على 132 شخصاً اقترفوا جرائم متنوّعة منها تنفيذ أعمال شغب وتضارب وإطلاق نار وحيازة أسلحة مرخّصة وغير شرعية ومعاملة رجال الأمن من جيش وقوى أمن داخلي بالعنف والشدّة، على أن تختتم التحقيقات الأولية معهم، اليوم، لدى الجهات الأمنية التي أوقفتهم بناء لإشارات أعطاها مفوّض الحكــــومة لدى المحكمة العسكرية القاضي جان فهد.

الجدير ذكره ان الجيش اللبناني نفذ مساء امس مداهمات واسعة في عدد من المناطق في مدينة طرابلس في اطار ملاحقة عدد من المتهمين بالمشاركة في اعمال اطلاق نار في المدينة استمرت امس وأدت الى سقوط