عندما تحدث أمين عام "حزب الله" السيد حسن نصرالله لقناة "المنار" الجمعة (19 الجاري)، اطمأن اللبنانيون الى طبيعة الاضراب السلمي الذي جيّر مسؤولية إعلانه الى قوى المعارضة.

رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون، حدد الثلثاء (1/23) موعداً لإضراب تصعيدي مفتوح وصفه بأنه "يشبه العملية الجراحية التي توجع راهناً لكنها تشفي المريض".

ولم يكن المريض في تصور عون، سوى لبنان المصاب بورم خبيث، قررت المعارضة استئصاله رحمة بالغالبية الشعبية التي قررت التصدي لجماعة 14 آذار، ونقل الاعتصام من وسط بيروت الى مختلف المناطق اللبنانية. ويبدو أن الضغط الاقتصادي الذي مارسته المعارضة بالقرب من سرايا الحكومة وفي وسط المنطقة التجارية الحيوية من العاصمة، لم يحدث الشلل المطلوب بعد انقضاء اكثر من 52 يوماً. لذلك قررت قيادة المعارضة الاقتداء بعملية الاضراب المفتوح الذي أعلنه عام 1952 بعض زعماء تلك المرحلة مثل: كمال جنبلاط وكميل شمعون وحميد فرنجيه وغسان تويني وعبدالله الحاج وأنور الخطيب وديكران توسباط.

في تفسير آخر للدوافع الخفية التي تكمن وراء توقيت اعلان الاضراب العام، ذُكر ان التململ في أوساط نزلاء الخيام كان عاملاً مؤثراً في ضرورة تغيير أجواء الاعتصام المفتوح، خصوصاً ان "حركة أمل" اعربت عن رغبتها في الانسحاب من المشاركة، لأن الاعتراض في الساحات العامة لم يحقق النتائج المرجوة منه. وقيل في هذا المجال ان الفريق المسيحي الذي يتزعمه العماد ميشال عون لم يخف ضيقه من النتائج السلبية التي جناها من وراء تحالفه مع "حزب الله" بحيث أن خسارته الشعبية كانت تتغذى من حال المراوحة والتردد في الحسم. لذلك استخدم كل المناطق ساحة مشرعة يعوض بواسطتها عن الانتكاسة السياسية التي مني بها حزبه من جراء الاعتصام الفاشل في بيروت.

بين أهم الاسباب التي فرضت توقيت الاضراب العام، كان موعد افتتاح المؤتمر الدولي لدعم لبنان (باريس - 3). ومع أن السيد حسن نصرالله لم يعترض في حديثه على المؤتمر لأن مردوده سيفيد كل اللبنانيين، إلا أنه من جهة أخرى، اعترض على حجم التأييد العربي والدولي لحكومة فؤاد السنيورة. علماً بأن الدعم المادي خصص من أجل انقاذ لبنان من محنة الانهيار الاقتصادي، وليس من اجل انقاذ حكومة فؤاد السنيورة من قبضة المعارضة.

في ذكرى عاشوراء تبدل المشهد السياسي في لبنان بعد خطبة السيد حسن نصرالله، ودعوته الى الاضراب العام بصوت هادر فهم منه أن التحرك سيكون شاملاً وموجعاً. ورأت جماعة 14 آذار في تهديد أمين عام "حزب الله" تحولاً ملحوظاً في الاداء والصياغة يختلف عن أداء وصياغة خطاب يوم الجمعة. وتصورت ان الوتيرة العالية لم تكن اكثر من جرعة ترضية لتيار العماد عون وحلفائه، باعتبار ان حديث الجمعة كان يفتقر الى تشجيع "حزب الله" ودعمه الشعبي.

لم يقتنع وليد جنبلاط بهذا التفسير المبسّط، لأن نتائج الاضراب كانت أشد أذى مما توقعت قيادة الجيش التي فوجئت بحجم الاضطرابات وبقسوة المشاركين في إضرام الحرائق وإقفال الطرقات. ويرى فريق من المحللين المطلعين ان التصعيد الذي فاجأ به السيد حسن نصرالله حكومة السنيورة، كان نتيجة تدخل دمشق من اجل نسف المبادرة التي سعى الى تحقيقها امين سر مجلس الامن القومي الايراني الدكتور علي لاريجاني. أي المبادرة التي ترجمت وساطة طهران عقب الزيارة التي قام بها للسعودية نائب الامين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم والوزير المستقيل محمد فنيش.

ومع أن الخلاف حول إقرار المحكمة الدولية أخضع للمراجعة وفق مطلب المعارضة وموافقة حكومة الاتحاد الوطني... إلا أن سوريا اعتبرت قيام المحكمة اختباراً يصعب القبول بشروطه المقلقة. لذلك عبّرت عن رفضها لمبادرة علي لاريجاني، مثلما عبر حليفها "حزب الله" عن رفضه التعاون مع حكومة السنيورة ما لم تقبل بالانتخابات النيابية المبكرة وتخضع لكل شروط المعارضة.

ولكن هذا التحليل يدفع الى التساؤل المريب حول إمكان حدوث خلاف سوري - ايراني على الحلول المتعلقة بالمسألة اللبنانية. واحتمال تبني "حزب الله" الموقف السوري حتى لو كان مخالفاً لإرادة طهران؟

في تعليقه على هذه الاستنتاجات، قال السيد حسن نصرالله ان السعودية وايران ليستا في وارد إلزام اصدقائهما أو إحراجهم في لبنان. وأكد ان "أي توافق يمكن أن يحصل بين دولتين لا يلزم اللبنانيين الذين يجب أن يبحثوا عن مصلحتهم الوطنية العليا". وكان بهذا الايضاح يحاول التأكيد بأن قرار "حزب الله في الشأن اللبناني هو قرار مستقل نابع من المصلحة الداخلية، وأن أي اتفاق تعقده ايران لا يمكن أن تحرج به اصدقاءها. ومعنى هذا أن قرار التصعيد لم يكن عملاً مفاجئاً أريد به خدمة سوريا. يميل عدد من المحللين الى الاعتقاد بأن ايران تحتاج الى تعاون السعودية خلال هذه المرحلة الحرجة. والسبب أن النزاع الشيعي - السني في لبنان سينعكس بشكل سلبي على دور ايران الطامحة الى نشر نفوذها وسياستها في العالم العربي. وفي ضوء هذا الموقف، يمكن النظر الى التقارب الايراني - السعودي كتعاون مريح لأكبر مرجعيتين للشيعة والسنة في المنطقة. من هنا قول السيد حسن نصرالله إن "الفتنة الطائفية خط أحمر، وإنه لو استشهد الف أحمد محمود فلن يشهر الحزب السلاح في وجه أحد".

اضافة الى هذا المعطى، فإن الرئيس بوش في خطابه عن "حال الاتحاد"، وجه انتقادات قاسية الى النظام الايراني، متهماً الشيعة بمحاولة زعزعة الاستقرار في العراق. ومثل هذا الاتهام يعطي الانطباع بأن ايران ستكون الهدف الثاني بعد العراق، وأن التعاون مع السعودية يخفف عنها أذى الحصار والضغوط الاقتصادية المتوقعة، خصوصاً أن واشنطن حالياً تتعمد خفض سعر النفط لإرباك الوضع الداخلي في ايران ودفع الجمهور الى الاحتجاج على سياسة التقشف. وقد ظهرت مؤشرات الاعتراض عبر المنشورات التي وزعت في طهران ومدن أخرى، تحتج على تقديم مساعدات سخية الى "حزب الله" و"حماس" والجهاد الاسلامي" في وقت يعاني المواطن الايراني من البطالة والفاقة.

وعلى رغم التزامات التحالف الاستراتيجي التي تجمع بين ايران وسوريا، الا أن سياساتهما الخارجية تفترق عند موضوع الشرق الاوسط. وعندما كان الرئيس نجاد يدعو الى إزالة اسرائيل من المنطقة، ظلت دمشق محافظة على تعهداتها نحو مؤتمر مدريد (1991) ونحو التسوية القائلة بوجود دولتين، فلسطينية واسرائيلية.

وتدّعي صحيفة "هآرتس" ان حكومة إيهود أولمرت تسلمت رسائل عدة من رجل يدعى ابرهيم سليمان، قام بجس النبض عبر دولة أوروبية، لمعرفة مدى جدية اسرائيل في الانسحاب من الجولان. ومع أن المحادثات كانت غير رسمية، الا أنها عبرت عن استعداد دمشق للتفاوض حول انسحاب اسرائيل من الهضبة الى خطوط الرابع من حزيران 1967. واللافت ان سوريا كانت تتوقع خلال زيارة كوندوليزا رايس للمنطقة، ان تعرج على دمشق بعد اعلانها عن ضرورة إشراك كل الاطراف الضالعة في أزمة الشرق الاوسط. وبدلاً من أن تفعل ذلك، رفضت شطب اسم سوريا من "محور الشر"، واتهمتها بعرقلة مساعي المصالحة الوطنية في لبنان.

ويشاع في اسرائيل ان حكومة أولمرت هي التي سربت حكاية ابرهيم سليمان للصحافي عكيفا الدار كي تثبت لسوريا أن نية التفاوض متوافرة، ولكن واشنطن تبقى المرجعية الاخيرة لرفع الحصار عن نظامها. ومن هذه الزاوية يربط المحللون بين موقف دمشق من واشنطن... والمواقف المستجدة التي حولت الاضرابات اضطرابات داخل بلد تعتبره الولايات المتحدة نموذجاً لما يجب أن تكون عليه دول المنطقة.

السخاء الكبير الذي أظهرته الدول التي اشتركت في مؤتمر "باريس - 3"، كان بمثابة مؤشر سياسي على رفض التصعيد الذي دعت اليه المعارضة. وأعرب الرئيس جاك شيراك عن قلقه من تنامي موجة العنف، ومن استمرار الازمة، ومن انقطاع الحوار بين طرفي النزاع. ولوحظ خلال الايام الاخيرة ازدياد الاصوات المنتقدة لدور الجيش الذي وقفت عناصره موقف اللامبالي من كل الحرائق والصدامات المسلحة في بيروت والشمال وبعلبك. واتهم وزير الاعلام غازي العريضي الجيش بازدواجية التصرف، في حين هاجمه وزير السياحة جو سركيس الذي وصف تصرفه بأنه مزيج من التواطؤ والاهمال. ويرى نواب كتلة جنبلاط أن قائد الجيش ميشال سليمان، يتعاطى مع الازمة من منظار مختلف كأنه يريد توظيف الاضطرابات من اجل الاستنجاد به، تماماً مثلما فعل الجنرال فؤاد شهاب أثناء ثورة 1958. ويتساءل النواب ما اذا كان طموحه الشخصي لرئاسة الجمهورية قد اصطدم مع طموح زميله السابق العماد ميشال عون. وهذا ما دعا وزير العدل شارل رزق الى القول إن الكل خرج منتصراً من هذه المعركة، ما عدا لبنان. بل هذا ما دعا رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي الى المطالبة باستعجال تنفيذ مبادرة أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى، خصوصاً انها توفر عودة الحوار بين الحكومة والمعارضة، وتنعش المؤسسات الدستورية المجمدة.

ومع القيام بجردة أكلاف أيام الثلثاء والاربعاء والخميس، أصدر رئيس حركة التجدد الديموقراطي نسيب لحود، بياناً ختمه بالدعوة الى التجاوب مع المبادرة العربية، قبل أن يدخل لبنان في متاهات الحرب المذهبية كالعراق، ويصبح من الصعب انقاذه. كذلك حاولت قيادة الجيش ترميم موقفها المثير للشبهات بإعلان حال منع التجول كأن المقاتلين يحتاجون الى أذونات للتجول. سئل مرة الجنرال فؤاد شهاب عن سر تحييده الجيش في أزمة 1958، فقال انه كان يخشى على الجيش من الانفراط، بحيث يلتحق كل عنصر بعشيرته أو طائفته. ومثل هذا المنطق استخدمته قيادة الجيش، بعدما تبجح الرئيس العماد اميل لحود بأنه أسس للبنان الجديد جيشاً وطنياً بعيداً عن الطائفية والحزبية والولاءات العشائرية. والمؤسف أن هذا الجيش لم يثبت عند أول اختبار، الامر الذي يفرض الحاجة الى إعادة النظر في تكوينه، خصوصاً أن أكلافه تتعدى ثلث الموازنة وان مهماته محصورة في ملازمة الثكنات!