من المصطلح يمكن تلمس مساحة نرجسية، لكن كسر القاعدة في أي تعبير ينقلنا إلى شكل إضافي، يفتح لونا جديدا في قراءة "النجومية" التي تتراكم فوق أكداس الثقافة القائمة على الخلافات في المقاهي، أو في اختراع كلمات جديدة تفصح عن نباهة البعض الذين اعتدنا على سماع آرائهم، كنخب ربما أو حتى "قادة رأي"، نتعب في استمالتهم، في وقت ننسى أن "النجومية" من طبيعتها "الاتصال"، أو على الأقل الاعتراف بأن هناك "آخر"، مصلوب على لغة طارئة تشعره بالدونية، بينما يستطيع من يسمي نفسه "معاصرا" المباهاة بأن الثقافة قادرة على جعل لسانه أقل من "أعجمي" لكنه يستطيع على الأقل سماع نفسه.

ومسألة "الدنجوان" لم تدخل مساحة حياتنا للمباهاة أو الاعجاب، لأنه قادر على ارتداء أي لون ثقافي، أو خطف كلمات من كل لغة تضعه في دائرة الاهتمام والاضطلاع، ثم ينتج نفسه على شاكلة "الدراما" الاجتماعية أو التي تتحدث عن الفساد، لكن مشكلتها أنها أتت في الزمن الخطأ، أو تشكلت بعد موعد ظهورها بأكثر من عقد. فالـ"دونجوان" قادر على التعامل مع صورته النمطية ليس لأنه اعتادها، بل لأن القدرة على الإبداع توقفت عند زمن ولى، فبقي الإبهام مقتصر على عقود خلت، فيتشكل مجتمع في ظل الحياة، بينما تُبهرنا المؤتمرات التي تقدم عنواين هي في الحقيقة مظلة لا تملك نهاية لكنها غير قادرة على احتواءنا.

كيف انتقلت النجومية من أخبار المشاهير إلى الحوارات المعاصرة؟! ربما بخلق مساحة افتراضية، أو بالقناعة بأن "الثقافة" يمكن أن تسير على عالم اليوم بدون مجتمع، أو حتى بالقدرة على اقناع أنفسنا بأن مساحات الاقتباس هي نهاية المطاف لحضارة تهوى تكرار نفسها. فالمسألة ليست "ادعاء" معرفة بل خطأ في اختيار الدرب نحو النجومية، لأن النخب هم مشاهير داخل مساحاتهم المغلقة، في وقت تكبر إشارات الاستفهام ما بين الصورة المبهرة وآلية تفاقم الأزمات داخل حياتنا. وموضوع الـ"دونجوان" ليس ثقافيا لأنه ينتقل إلى ابتكار شكله الخاص في الاقتصاد وربما السياسة، لكنه في النهاية يمكن معرفته لأن ظهوره أقوى من أي حضور اجتماعي، وانشغاله الدائم حقيقي، إلا أنه يقف دون حدود أي إنتاج، ويبقى الجمهور الذي يلاحظه يحلم بالوصول إلى حالة من التعامل مع المصطلحات التي هبطت فجأة ودون سابق إنذار، ثم جعلت حياتنا جملة مناسبات تتناثر منها المعرفة في كل اتجاه ودون ان تصل إلى المشهد الاجتماعي الكامل.

بالطبع يمكننا الحديث اليوم عن تجاوز "الحداثة" لأننا نستخدم كل أدوات التفكير التي جاءت بعدها، لكننا على ما يبدو أننا اخترقنا المرحلة بشكل دائري لأننا نعود في اي نقاش أو عمل إلى نفس النقاط التي ظهرت منذ انهيار الدولة العثمانية، فبقيت الأسئلة مفتوحة واستمر ظهور النخب القادرة على العودة لإثبات أنه بالفعل نموذج "دونجوان" الذي يسمع نفسه، ويقتنص التعابير المستحدثة لكنه لا يستطيع العيش دون مناسبات، سواء كانت مؤتمرات أو صورا تنثرها الجرائد على صفحاتها فيخيل إليه أنها انعكاس لذاته.