www.safsaf.org

بعد فشل عملية جراحية أجريت له يوم أمس توفي الكاتب والصحفي البولندي الأشهر ريتشارد كابوشتشينسكي ..قرأت الخبر بحزن وحزنت كثيراً على رحيل صحفي القرن في بولندا.. فقد كان هذا المبدع من الصحافيين والكتاب والمبدعين القريبين إلى قلبي، واعترف انني تعلمت منه الكثير واستفدت من تجربته الكتابية وأسلوبه الجميل والخاص. حزنت كثيراً لأنه مات قبل ان ينل جائزة نوبل التي يستحقها عن جدارة، والتي لا بد ستصل له وهو في عالمه الآخر. عالم الذين يتركون عالمنا ويمضون الى العالم المجهول.

قد يكون الخبر عاديا لأي إنسان آخر ، غير انه بالتأكيد ليس كذلك بالنسبة لي، فأنا من الذين يعتبرون هذا الرجل رمزاُ هاما جداً من رموز مدرسة الكتابة والإبداع في عالم الصحافة والسفر والترحال والبحث عن الجديد والغريب والعجيب في عالمنا الكبير. أستطيع القول الآن بأن أول كتاب عن فلسطين قرأته باللغة البولندية، كان كتاب ريتشارد كابوشتشينسكي بعنوان " المسيح وبندقية على كتفه". تحدث فيه عن القضية الفلسطينية والفدائيين الفلسطينيين ومخيمات اللاجئين وعن ثورة الشعب الفلسطيني. كانت كتاباته حول هذا الأمر موضوعية وغير منحازة وامتازت بالصدق والجرأة والواقعية. بعد قراءة هذا الكتاب بدأت اقتني واشتري مؤلفاته والتي لازلت احتفظ بها حتى يومنا هذا في مكتبتي المتواضعة. وقد عزمت قبل اشهر قليلة على لقاء المعلم ريتشارد في معهد الكلمة الحرة النرويجي في العاصمة اوسلو، وجهزت كتبه جميعها بغية الحصول على توقيعه وإهداء منه على الكتاب.وصل إلى اوسلو لإلقاء محاضرة عن الإعلام والصحافة، وكان ذلك قبل تحديد اسم الفائز بجائزة نوبل للآداب لسنة 2006 . والتي كان اسمه أيضا من بين الأسماء المرشحة لنيلها، وليست هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها ترشيحه للجائزة ويخرج من السباق دونها. ولعل موته قد يكون مناسبة لتكريمه ومنحه جائزة ما حتى بعد رحيله. المهم حالت وعكة صحية ألمت بي دون اللقاء بالرجل الذي كنت التقيت به مرة واحدة في وارسو عاصمة بلاده الجميلة. وكنت انوي إجراء مقابلة صحافية معه، لكن الوعكة المذكورة أطاحت بكل شيء وها هو عملاق الصحافة البولندية يرحل دون أن نحظى بلقاء جديد أو حوار معه، منه نتعلم ونستفيد.

ولد الأديب الراحل كابوشتشينسكي في الرابع من مارس/آذار 1932 بمدينة بينسك الواقعة جنوب غرب روسيا البيضاء التي وصفها بأنها العالم الثالث لأوروبا. بدأ نشاطه الصحافي شابا في مجلة الشبيبة " شتاندرد مووديخ" ثم سافر سنة 1956 في رحلات إلى الهند وأفغانستان وباكستان، وبعدها سنة 1957 إلى الصين واليابان. وبعد عودته بدأ يكتب عن مشاهداته وانطباعاته وما رآه في رحلاته. أصبحت مقالاته محل إعجاب وتسابق القراء ، الذين كانوا يتسابقون على شراء أعداد مجلة السياسة " بوليتيكا" البولندية. لقراءة عجائب أسفار وترحالات أديبنا الراحل.

،سنة 1974 منتصف السبعينات من القرن الماضي عاد إلى بولندا بعد سنوات من العمل كمراسل لوكالة الأنباء البولندية في أفريقيا وآسيا ، عمل في أسرة تحرير مجلة الثقافة " كولتورا." ولم يتوقف عن السفر والبحث والترحال، فقام بزيارات إلى أنغولا وإثيوبيا وإيران وأصدر كتباً هامة منها " يوم آخر من الحياة" 1976 ، "القيصر" 1978، و "الشاهنشاه" 1982. أصدر مجموعة شعرية "ملاحظات" 1986، "الدوامة" 1990، وفي عام 1993 كتاب "الإمبراطورية" عن ترحاله في جمهوريات الاتحاد السوفييتي الجنوبية سابقاً ، كتابه التالي في عام 1998 "هيبان"كان عودة للمواضيع الأفريقية، ثم الجزء الخامس من "لابيداريا" 2002، "الرسم الذاتي للمراسل"2003، "رحلة مع هيرولد" 2004. وله كتاب عن القضية الفلسطينية صدر سنة 1975 بعنوان ( المسيح وبندقية على كتفه ) وكتب أخرى عن اغتيال السادات وعن أحداث الفيليبين والسلفادور وعن القوقاز والمكسيك وبوليفيا وتشيلي ودول إفريقيا منها : 1962 " الأدغال بالولندية"" النجوم السوداء" و " لو كل إفريقيا" 1969 و 1970 " لماذا قتل كارل فون شبرتيه" وآخر "القرقيزي يترجل عن حصانه"1968 . و1978 "حرب كرة القدم" وترك كتاباً لم ينشر بعد.وامتازت كتاباته بالواقعية والموضوعية.قام كابوشتشينسكي بالكتابة وتغطية أكثر من 45 صراعا وثورة وحرباً في العالم، خاصة في إفريقيا، أمريكا اللاتينية وآسيا. .

بعد هذا الكم الرائع من الإنتاج الأدبي والصحفي لم يكن غريبا على أحد قيام بولندا بطولها وعرضها إطلاق لقب صحفي القرن في بولندا على كابوشتشينسكي ، وقد وحدث ذلك سنة 1999. لم تكن شهرة كابوشتشينسكي فقط في بولندا بل تخطتها إلى العالمية، حيث ان الكثير من مؤلفاته أصبحت معروفة للقراء في معظم دول العالم. ولست متأكداً إن كان هناك أي من مؤلفاته تقد ترجمت إلى اللغة العربية. وهذه مناسبة كي نطالب أولياء الأمر بترجمة بعض أعماله إلى لغتنا الجميلة. فمؤلفات هذا الصرح الإعلامي الكبير يجب ان يتكون بحوزة غالبية القراء في الوطن العربي، لأنها أعمالا مميزة وفريدة من نوعها. وهي من النوع الذي لا يموت.

وداعاُ ايها المعلم ريتشارد

بفقدانك ستخسر بولندا ومعها عالم الإبداع والصحافة وأدب البحث والسفر والترحال عملاقا من عمالقته الذين لا يمكن تعويضهم...