تكرار الرئيس الأمريكي جورج بوش لاتهماته تجاه سورية وإيران و.. "حزب الله" لم تعد شأنا عابرا يهدف لتكرار الضغط، او رسم ملامح الأهداف القادمة للإدارة الأمريكية، فهذا الاستهداف حتى وإن كانت له علاقة مباشرة بالسياسة الخارجية الأمريكية، لكنه يمس عصبا حساسا داخل مجتمعات المنطقة، ويدخل في عمق الوعي بخصوصية التشكيلات السياسية القائمة، على الأخص ان ما يطلقه الرئيس الأمريكي اليوم مختلف نوعيا عن تهديداته في السنتين الماضيتين، لأنه يترافق مع رسم ملامح "خارطة مذهبية" يتم التعامل معها عبر عمليات "الشحن" الإعلامي.

تأكيدات بوش الحالية حول التدخلات السورية والإيرانمية لزعزعة الاستقرار في لبنان، تكرس إعلاميا على الأقل "بلورة" الحلف الذي ظهر خلال حرب تموز، ويضم ما اصطلحت بعض مراكز البحث الأمريكي على تسميته بـ"الدول السنية"، في مقابل "الدول المارقة"، التي تشكل وفق تصريحات سابقة للملك عبد الثاني "الهلال الشيعي".

ومشكلة سياسة الأحلاف كما تبدو اليوم متباينة مع الاستراتيجيات السابقة التي ظهرت في المنطقة خلال الخمسينات، فالأحلاف السابقة كانت تتعامل مع السياسة الخارجية للدول وعلاقاتها مع "المعسكر الغربي"، لكن هذه العلاقة اليوم يتم نسجها خارج إطار "مفهوم الدول"، وتشكا حاليا ضمن نمط مذهبي يتجاوز الدولة، فهي علاقة تحمل بذاتها تكسيرا لمفهوم الدولة، وإعادة تبعية المجتمعات للمرجعيات التي كانت قائمة سابقا، وبالتالي تهميش التعبير الحقوقي الجامع للمواطنين، وتشتيته على فرضيات لم تعد تملك على الأرض وجود فعلي.

عمليا ومنذ بدأ الحديث عن "هلال شيعي" تحول التنظير في مسالة السياسة باتجاه "المرجعيات الدينية"، وأصبحت التصريحات الخاصة لهم تشكل معيارا لقياس "الصراع الافتراضي" بين المذاهب. وهذا الأمر سبقه في مرحلة احتلال العراق صعود الأحزاب الدينية التي أنتجت شكلا من السلطة في العراق قائم على أساس "الاقتسام" المذهبي للدولة وليس للسلطة، لأنه انعكس مباشرة داخل الجهاز التنفيذي للدولة، لتصبح بعض الأجهزة والمؤسسات معبرة عن فئة دون اخرى.

ومسالة الأحلاف الحالية التي تظهر في خطاب بوش وكانها شانا عابرا لأنه يريد من خلالها التأكيد على "الديمقراطية" لم تؤثر في خارطة المنطقة فقط، بل حتى في طبيعة التعامل السياسي الداخلي وعلى الأخص في لبنان والعراق، وانتقلت على شكل حرص "مذهبي" باتجاه بعض القيادات في السعودية، لتنتج خطابا سياسيا لا يبدو حريصا على تكريس مفهوم الدولة، بقدر غيرته "الماضوية" على مسألة "المذهب".

وفي هذا السياق بدأنا نشهد فصابا في الخطاب السياسي الذي يبدو أحيانا حريصا على لبنان، بينما يظهر في مواقع أخرى متجاوزا لأي مفهوم سياسي حديث. فعندما يتم تحويل الصراع مع إيران إلى شكل مذهبي، أو تبرير الحرب بين المقاومة وإسرائيل وفق تجليات مذهبية، فإن أي خطاب آخر لن يكون مقنعا، مادمنا كسرنا الرؤية الأساسية لمفهوم الدولة ووضعنها ضمن تعابير تنتمي إلى العصور الوسطى.