من الواضح ان البنية الثقافية لمجتمعاتنا لم تعد تحتمل الانجازات المعاصرة للثقافة العالمية، او على الاقل لا تستطيع التواصل معها بصيغة المنتج/المستهلك التي هي وبكل الاشكال ناهب/منهوب، حيث لم تعد هذه العلاقة على حالها منذ قيام الثورة الصناعية وما تبعها من كولونيالية او استعمار اقتصادي، اذ لم يعد الكم هو وحده مقياس السيطرة وانما نوع الثقافة بغض النظر عن كونها جيدة انسانيا وقيميا أم لا. ليتحول مفهوم الاستقلال والسيادة الى مقدرة على الانتاج النوعي، وليتحول الاستقلال والسيادة خارج الانتاج الى انعزال وهمجية بحيث لا يتعاكس مع الانتاج انما يقبع خارجه في حالة توهان انساني مميت، فلا هكذا نوع من الثقافة قادر على استدلال مكامن الضعف، ولا الثقافة المعاصرة آبهة للهفتنا على ايجاد الحل ، فالعجلة دائرة والمسافة تطول وكلما اتسعت الفجوة زادة فعالية علاقة منتج/مستهلك او ناهب/ منهوب كما يطيب للضعفاء الركون اليها.

اليوم نحن بحاجة الى تغيير ثقافتنا الاجتماعية ثقافة الانطواء وترك الاخرين لتقرير استهلاكاتنا، اي اننا بحاجة لملىءالفراغ الانتاجي الذي يزودنا بكل انواع الهدر والفساد والتطرف والتميز الفارغ من المضمون، حيث من الواضح ان كهكذا بنية ثقافية لن تستطيع تحمل استحقاقات وتبعات الانتاج، وعليه فأنه علينا الاختيار بين اللاانتاج والحفاظ على ثقافة بائدة خوفا عليها م الضياع، ونضيع نحن ، او الاستغناء عن ثقافة لم تعد صالحة للوقوف في وجه العصر الذي اشهر قسوته على تنابل المجتمعات ذات الانتاج الذاتي للضعف وتحميل الآخرين مسؤلية الهزائم.

نحن بحاجة الى الرهان على الخيال الابداعي، عبر تغيير نظرتنا للانسان وتركه لحرية مبدعة قادرة على مقارعة الناهب في الانتاج، لا ان نطلب من الناهب ان يتخلف كي نستطيع محاورته.

في كل ما يحصل في هذا العالم العربي المترامي يبدو اننا لا نفهم الا ما نقوله نحن ، فنتصور المعارك كما نريد والاعداء كما نريد، وكأن الاعداء مخطئون في تصرفهم معنا، كأنهم اصدقاء يظلموننا وعلينا ان نعاتبهم وننبههم الى اخطائهم ، وكأن الحياة لا تحتمل مقاييسا غير مقاييسنا ... او مفاهيم غير مفاهيمنا والا الاحتكام الى السيف والترس ، وكفى المؤمنين شر التنافش بالمعرفة والانتاج.