تتطاير المبادرات والدعوات من مختلف العواصم العربية لاحتواء التدهور المروّع على الساحة الفلسطينية، وثمة ما يشبه سباق المبادرات على هذا المسار، حيث بالإمكان إحصاء خمس مبادرات عربية على أقل تقدير: المبادرة المصرية (الأقدم)، المبادرة القطرية، المبادرة الأردنية (مصطحبا)، المبادرة السورية (لقاء عباس – مشعل) وأخيرا المبادرة السعودية (في رحاب مكة المكرمة)، فضلا عن عدد آخر من المبادرات الأقل شأنا وجدية.

لماذا فطن الزعماء العرب فجأة إلى خطورة الوضع الداخلي الفلسطيني؟…لماذا انتظروا عاما بأكمله (منذ الانتخابات) حتى قرروا التحرك لاحتواء التدهور؟….ألم تسهم مواقفهم النابذة للحكومة الفلسطينية والمتخوفة من نتائج الانتخابات الفلسطينية والمحذرة من خطر الصعود الإسلامي، والمساهمة في الحصار المضروب عل الشعب الفلسطيني، ألم تسهم كل هذه المواقف والسياسات في دفع الأمور إلى حافة الهاوية، ووضع الفلسطينيين وجها لوجه أمام خطر الحرب الأهلية؟.

لقد راهن كثيرون على أن عزل حماس وفرض الحصار عليها وعلى حكومتها، وتحميل الشعب الفلسطيني الفاتورة الثقيلة والباهظة لخياره الديمقراطي، سيفضي إلى استسلام الحركة وسقوط الحكومة في غضون أشهر معدودات…راهنوا على أنهم بدعهم اللفظي للسلطة والرئاسة يمكنهم أن يعيدوا النظام الفلسطيني إلى سابق عهد سيطرة فتح وتفردها بالسلطة والمؤسسات، وعندما لاح في الأفق خطأ هذه الحسابات وخطلها تدافعوا لإطلاق المبادرة والدعوات لحقن الدم ومنع الانزلاق لحرب أهلية. لو أن النظام العربي، حمل نتائج الانتخابات على أكتافه، وأعطى الفلسطينيين فرصة للتعرف على خيارات حكومتهم الجديدة ومحاسبتها ديمقراطيا، بما في ذلك إسقاطها إن لزم الأمر، لو أن النظام العربي احترم قولا وفعلا خيارات الشعب الفلسطيني الديمقراطية، لما انتهى الحال إلى ما آل إليه، ولما وجدنا أنفسنا نتحرك في المربع الأخير وفي ربع الساعة الأخير.

لكن النظام العربي الفاقد لإرادته المستقلة، آثر الاصطفاف خلف حملات التحريض الأمريكية المحكومة أساسا بالأجندة والأولويات الإسرائيلية، مبشرا بوهم السلام القادم وعودة الوعي والإرادة للمحافظين الجدد وإدارة بوش، آثر تحويل الساحة الفلسطينية إلى مختبر لتأديب الحركات الإسلامية النشطة والفاعلة في "دواخله" بجعل حماس حركة وحكومة عبرة لمن اعتبر، فكانت النتيجة ما نشهده اليوم في شوارع غزة ونابلس والخليل من مشاهد مثيرة للاشمئزاز وباعثة على الغثيان والتقيؤ. المهم، أن المبادرات العربية المتأخرة، انتهت إلى محطتها السعودية بمكانتها السياسية والمعنوية والمالية المعروفة، وحطت في رحاب مكة المكرمة بمكانتها الروحانية المتميزة، والمأمول أن ينتهي "مؤتمر مكة للمصالحة الفلسطينية" إلى نتائج أفضل من تلك التي انتهى إليها "مؤتمر مكة للمصالحة العراقية"، وأحسب أن نجاح المبادرة السعودية رهن بتوفر جملة من الشروط والعوامل، أولها بعث الثقة لدى الأطراف الفلسطينية كافة بأن المملكة تقف على مسافة واحدة منها جميعا، وثانيها، أن تشمل المبادرة السعودية كافة القوى الفلسطينية الرئيس وأن لا تقتصر الدعوة على فتح وحماس، وثالثها، أن تعمل المملكة على الزج بلاعبين إقليمين آخرين معها وتحت قيادتها لإنجاح هذه المبادرة، وفي هذا السياق يجب أن تشرك كافة الأطراف الرئيسة التي سبق لها أن أطلقت مبادرات مماثلة، بما في ذلك مصر والأردن وسوريا وإيران، فقد آن الأوان لكي ندرك بأن المحاور والخنادق ستنعكس وبالا على ساحات المواجهة المفتوحة، وأن الاحتواء والحوار والدبلوماسية هي خير وسيلة لجر مختلف الأطراف للعب أدوارها الإيجابية حتى وإن تمنعت أو أبدت ترددا في البدء.