في الأفق ملامح "اختناق" جديد في مسألة العلاقات السورية – العراقية، فبعد إعادة التمثيل الدبلوماسي، يظهر اليوم صورة مرتبطة بمسألة "اللاجئين" العراقيين التي أخذت مساحة من "الحدث اإعلامي" على الأقل. ورغم ان المسألة تفتح جملة من الأسئلة الإنسانية لكن الأبعاد السياسية تحتل مساحة واسعة منها. وهي لا ترتبط بالتصريحات التي ظهرت أمس في بغداد حول هذا الموضوع، بل بالوضع الحقوقي للدولة العراقية.

عمليا فإن مخيمات اللاجئين تم تجهيزها قبل الاحتلال، لكنها بقيت فارغة طوال الحرب، ولم تشهد الحدود السورية – العراقية نزوحا واضحا إلا بعد مضي عام على الاحتلال، عندما بدأت آثار "شطب" الدولة تحتل النصيب الأكبر من حياة المواطن. ومنذ عام فقط أصبحت حركة اللجوء إلى سورية ظاهرة واضحة، ترتب عنها نتائج اجتماعية واقتصادية.

وبالطبع فإن المسألة اليوم لا تتعلق بتبرير أي إجراء جديد تجاه العراقيين الذين حاولوا إيجاد مساحة أمان في سورية، أو أرادوا كسب عيشهم بعد أن تكسرت المصالح داخل المجتمع العراقي، فالمقصود اليوم هو تكوين "الدولة" العراقية بعد أربع أعوام على محاولات تأسيسها من جديد. حيث كان من المفترض أن تتسع دائرة المصالح الاقتصادية مع ظهور "دولة على السياق الديمقراطي" وانتهاء الحصار. لكن ما حدث هو إيجاد "سويات" عمل داخل الحكومة العراقية وليس ظهور دولة بالمعنى الحقيقي.

النموذج الذي ظهر في العراق ليس معبرا عن صعود "أحزاب مكبوتة" أو تيارات مضطهدة، لأن هذا الأمر كان يمكن أن يحدث بشكل سياسي عادي دون أن يصل إلى مرحلة الصراع المذهبي لو أن الدولة بنيت على شكل مغاير لحالة اقتسامها أو تكسيرها.

والنموذج كما بدا في العراق انتقال "التوازن" السياسي كما رسمته الإدارة الأمريكية باتجاه الدولة. فالدولة ليست اقتسام سلطة بل تكريس لمصالح المجتمع على الأرض، وهو أمر تم اقتسامه مع توزيع السلطة في العراق... ومع "محاصصة" المصالح ضاعت المؤسسات التي يجب أن ترعاها أو تحميها أو حتى تطورها. وبهذا الشكل فحتى أبناء "الفئة" الواحدة يمكن أن يفقدوا الارتباط بانتمائهم الذي يعود لمراحل ما قبل الدولة، كما حصل مع مجموعة "جند السماء"، أو حتى "جيش المهدي" قبل سنتين تقريبا.

عملية اللجوء باتجاه سورية كانت أسهل الطرق لعدم وجود قوانين تمنع الدخول أو الإقامة، وهذا الأمر رغم كونه طبيعيا وقديما داخل القوانين السورية، أعفى "قوات الاحتلال" من أحد اهم مسؤولياتها، وواجهت دول الجوار الجغرافي وعلى الأخص سورية نتائج الاحتلال سياسيا واقتصاديا عبر الاجئين بمفردها.

بالطبع فإن خلق عملية نزوح هائمة ومجهولة التحرك او حتى المستقبل تساهم إلى حد بعيد بتحقيق أهداف تكسير الجغرافية – السياسية للمنطقة عموما. فاللاجئون العراقيون لم يحتلوا مساحات واسعة من الإعلام. والمفوضية العليا للاجئين لم تهتم بهم إل في مراحل الانتخابات وكأنهم مغتربون وليسوا لاجئين. وإذا كانت بعض المساعدات توزع إلى قلة منهم فإن تجاهلهم بهذا الشكل يبدو وكأنه إعفاء للاحتلال من مسؤولياته ومساعدة في صياغة ديسابوار (شتات) جديدة ينضم إليها العراقيون اليوم بعد الفلسطينيين، بين تنتهي الدولة إلى الصيغة المبتسرة داخل الزعامات القبلية والعشائرية والمذهبية.