النهار / سركيس نعوم

هل يوحي التشاور حول الاوضاع في لبنان بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الاسلامية الايرانية أن مرحلة من التعاون الجدي قد بدأت بينهما وأن نتائجها لا بد ان تكون ايجابية سواء للمنطقة او للبنان او حتى للمجتمع الدولي المختلف مع ايران حول ملفها النووي؟ هذا السؤال الذي يطرحه كثيرون في لبنان وخارجه مرده الى امور عدة بعضها قديم ومستمر وبعضها الاخر حديث. اما القديم والمستمر فهو القلق الذي اثاره النظام الاسلامي في ايران منذ قيامه في الاوساط السعودية بل الخليجية العربية عموما،ـ وخصوصا بعدما اكد اركانه اكثر من مرة نيتهم تصدير ثورته الى العالم الاسلامي كله. وهو الخوف الذي اثاره نجاح ايران الاسلامية بعدما فاجأها عراق صدام حسين بشن الحرب عليها من استيعاب صدمة المعارك الاولى وتمكنها لاحقاً من صد هجومه ومنعه من تحقيق اهدافه واقترابها من الانتصار عليه لولا اجتماع الدول العربية على دعمه بالمال واندفاع اميركا لمساعدته بالسلاح والخبرة العسكرية بغية الحاق الهزيمة بايران الجديدة ولا سيما بعدما اعلنت عداءها للغرب. وهو القلق الدائم من نجاح ايران في استقطاب الشيعة السعوديين كما شيعة الخليج معتمدة في ذلك على الممارسات غير السوية التي تعرضوا لها على مدى سنوات طويلة. اما الحديث من الامور التي تدفع الى السؤال المطروح اعلاه فهو تحول ايران الاسلامية مع الوقت دولة قوية جدا وذات طموحات وربما اطماع اقليمية لا يمكن ان تتحقق الا على حساب جيرانها الخليجيين العرب والعرب عموما. وهو ايضا اقترابها من امتلاك طاقة نووية ولاحقا سلاحا نوويا لتصبح بذلك مثل اسرائيل امرا واقعا مسيطرا على محيطه لا يستطيع احد التصدي له. وهو ثالثا نجاح ايران في "الاستيلاء" على الرفض الاسلامي والعربي لاسرائيل وبسببها لاميركا من خلال تبني حركات اسلامية فلسطينية جهادية واعطاء الحياة لـ"حزب الله" اللبناني الذي انتصر على اسرائيل مرتين خلال نحو ست سنوات (2000 و2006) بدعم منها ومن حليفتها سوريا. ونجاحها في التحول طرفاً اساسياً في ازمة الشرق الاوسط تواجه من خلال الجبهات الفلسطينية والسورية واللبنانية اسرائيل وحاميها الاميركي. وهو رابعا واخيراً ازدياد حدة الخلاف السني – الشيعي في المنطقة الموجود منذ مئات السنين ولكن الذي اعاده الى الواجهة قيام ايران الاسلامية الشيعية والدور الاقليمي الواسع الذي مارسته وبدء الشكوى من محاولة ايران تشييع السنة العرب فيها ونفي المسؤولين فيها ذلك. انطلاقا من ذلك كله يعتقد اصحاب السؤال المطروح اعلاه ان التشاور السعودي – الايراني لن يكون اكثر من "رفقة طريق" لتحقيق هدف محدد قد يكون تهدئة الوضع في لبنان تمنع تحوله حرباً مذهبية لن يسلم منها العرب والمسلمون والايرانيون. هل يوافق الايرانيون على استنتاج كهذا؟ يمتنع الايرانيون استنادا الى عدد من القريبين جدا من طهران في بيروت وخارجها عن اعطاء جواب. لكنهم يؤكدون ان هناك محاولة عربية واسلامية قد تكون بريئة وناجمة عن خوف فعلي كما قد تكون نتيجة تحرك اميركي وعلى نحو غير مباشر اسرائيلي هدفها الاساسي احتواء النظام الاسلامي في ايران او اسقاطه او اضعافه وخصوصا بعدما صار الطرف الاقليمي الاقدر على مواجهة اسرائيل. ويقولون ان شعبهم شيعي في غالبيته الساحقة وان نظامهم يعكس ذلك وهذا امر طبيعي لكنهم ليسوا ضد السنة ولا يستهدفونهم سواء كمواطنين في ايران او في دول اسلامية وعربية اخرى. انما هم ضد "الوهابية" اي هذا الفكر السلفي الذي يعتبر الشيعة "روافض" والذي تكفر التنظيمات التي خرجت من رحمه وصارت على يساره الكثيرين من السنة. والوهابية هذه موجودة ليس فقط في الخليج العربي بل كذلك في المقلب الاخر اي باكستان وافغانستان وربما في دول اسلامية كانت داخل الاتحاد السوفياتي السابق. وهي تشكل خطراً كبيراً على ايران. اما سنة الاعتدال والمذاهب الاسلامية المعروفة فان لا مشكلة معهم. وذلك يعني ان ايران الشيعية ليست في حرب مع السنة، ويفترض ان يسهل ذلك تعاونها مع الدول العربية كلها سواء في مواجهة مشكلات الداخل العربي والاسلامي او الصراع مع اسرائيل او حتى الخلافات مع المجتمع الدولي. والسعودية ليست مستثناة من ذلك لان وهابيتها قد تختلف عن وهابية الذين خرجوا من رحمها بدليل تعاطيها الاسلامي الموضوعي مع كثير من القضايا الحساسة. ومن شأن ذلك ان يجعل "التشاور" المستجد بينها وبين ايران الاسلامية اكثر من "رفقة طريق". هل الامر بهذه البساطة؟ كلا، هو ليس كذلك. فالسعودية لا تستطيع الخروج من وهابيتها رغم اعتدالها وايران لا تستطيع قبول الوهابية المعتدلة اذا وجدت فكيف بالوهابية التي على يمينها اي المتطرفة، فضلا عن ان "الاحقاد" - وعذرا لاستعمال هذه الكلمة الدفينة - بين السنة والشيعة قد لا تجعل الموقف الايراني المفصل اعلاه مقنعاً كثيرا. فهناك تاريخ حافل من الخلاف والعداء والممارسات غير الودية سابق للوهابية ولاحق لها. وهناك ازمة ثقة تتفاعل هذه الايام بين السنة والشيعة. واذا تمكنت القيادتان السعودية والايرانية من تجاوز ذلك والاستمرار في التشاور المنتج يكون العالم العربي والاسلامي قد بدأ الخروج من مرحلة الانحطاط القابع فيها من زمان. فهل تفعلان ذلك؟ وهل هما صادقتان في السعي اليه؟ الجواب لا يزال غير متوافر.