تبادل الاتهامات امس بين رئاستي مجلس النواب والحكومة، وتجدد الحملة السورية عبر الصحافة الرسمية هناك على الاكثرية في لبنان، اعادا رسم صورة الازمة كما كانت قبل تحرك الحوار بين الرياض وطهران والذي أثمر تهدئة ميدانية. وقد أضفى المشهد مزيداً من الاثبات على ان بقاء دمشق خارج التفاهم السعودي - الايراني، كما ورد في "النهار" امس، "سيحرك عناصر التأزم في أي وقت" وفق بعض المراقبين، وهذا ما حصل في الساعات الماضية، انطلاقاً من موضوع المحكمة ذات الطابع الدولي الذي لا يزال جمرة تحت رماد الازمة منذ استقالة وزراء "حزب الله" و"أمل" من الحكومة. واذا كانت خلفية التأزم الجديد انطلقت من حديث أدلى به رئيس كتلة "المستقبل" النائب سعد الحريري الى الزميلة "الحياة" ونشر امس، واتهم فيه رئيس مجلس النواب نبيه بري بتعطيل اقرار مشروع المحكمة في المجلس، فان مصادر حكومية ترد التأزم الى أبعد من ذلك وتقول ان الرئيس بري بما أدلى به اول من امس الى احدى الصحف لجهة توقعه "استقالة المحقق الدولي سيرج برامرتس في حزيران بعد ان يقدم تقريراً تقنياً، وانه لن يغيّر موقفه من مشروع المحكمة في الدورة العادية لمجلس النواب في آذار المقبل "اذا لم يمهر بتوقيع رئيس الجمهورية اميل لحود"، قد حرك رد الحريري عليه. غير ان هذه التوضيحات لا تتناسب مع ما ذهبت اليه سلسلة الردود التي صدرت عن بري ورئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة الذي استهدفه رئيس المجلس في مواقفه.

بري

ومع تقدم الليل رصدت "النهار" موقفين لرئيس المجلس والحكومة. فقد ابلغها بري ان "آخر ما توقعته هو ان يشتكي السنيورة من مجلس النواب امام الأمم المتحدة. يطلبون مني تهدئة اطراف المعارضة ويفعلون، ويا للاسف، مثل هذه الافعال في وقت نسعى الى ايجاد حلول للازمة". وكان زواره نقلوا عنه "ان ثمة من يسعى الى الاستحصال على قرار (للمحكمة) تحت الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة" وانه فوجئ برد النائب سعد الحريري، ثم برد الرئيس فؤاد السنيورة. وتساءل بري: "ما هي الجريمة اذا قلنا ان ذكرى استشهاد الرئيس الحريري هي لكل لبنان؟".

السنيورة

في المقابل اعتبرت أوساط حكومية أن الرئيس بري "كان البادي في الهجوم على الحكومة". وقد قلل الرئيس السنيورة في اتصال اجرته معه "النهار" ليلاً "تأثير السجال المستجد على الجو العام الذي ينحو نحو الحرص على التهدئة، معتبراً ان "الكل يحاول عدم الدخول في اشكال يؤدي الى التوتير ونحن حرصاء على التهدئة وعدم التصعيد". وشرحت اوساط حكومية لـ"النهار رؤيتها للتطورات المستجدة متسائلة: "كيف يصدر كلام عن الرئيس بري في شأن برامرتس دون ان ينفيه؟ واذا كانت معلوماته صحيحة، فهل مهمته ان يعلن ما أعلنه؟ ثم كيف يقطع الطريق من الآن على مجلس النواب للاقتراب من مشروع المحكمة في الدورة العادية؟". وقالت: "ان في ذلك خروجاً عن الموقع الذي يجب ان يحتله رئيس مجلس النواب. وهو في كلامه على رسائل تبعث بها الحكومة الى الامم المتحدة في شأن التحقيق الدولي والمحكمة يتناسى ان هذه هي مهمة الحكومة بالضبط انطلاقاً من التزام لبنان حيال الامم المتحدة التي تشرف على التحقيق الدولي واقامة المحكمة". وتساءلت الاوساط نفسها: "لماذا يستدرج بري بعد كلامه العلني على التحقيق والمحكمة الشجار فيما الاصول تقتضي، اذا كانت لديه ملاحظات على السياسة الخارجية للحكومة، ان يبادر الى الادلاء بها في جلسة عامة للمجلس؟ ان موقف رئيس المجلس شكل صدمة لكل الناس".

الأكثرية

وقال مصدر بارز في الاكثرية لـ"النهار" ان نوابها سيقومون خلال الدورة العادية باحالة مشروع المحكمة على المجلس بموجب كتاب يتعين على الرئيس بري عرضه على مكتب المجلس. ولفت الى "ان بري يتعرض لضغوط وخصوصا بعد استقباله سفيري فرنسا والولايات المتحدة برنار ايمييه وجيفري فيلتمان. وهو كان لمح مرارا امام نواب وسفراء الى ضرورة نقل عبء المحكمة من كاهله الى الحكومة او مجلس الامن الدولي".

الردود

وكان مسلسل الردود انطلق من حديث الحريري الى الزميلة "الحياة" والذي انتقد فيه تصريحات نسبت الى الرئيس بري ودعا فيها الى "انتظار انتهاء التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري للبحث في تشكيل المحكمة" سائلا: "متى سيفرج رئيس المجلس عن البرلمان ليقر مشروع المحكمة؟" فرد عليه المكتب الاعلامي لبري نافيا ان يكون اقتراح تأجيل اقرار قانون المحكمة مصدره رئيس المجلس، ومتهما الحكومة بأنها "وجهت قبل ثلاثة ايام رسالة الى الامم المتحدة تمهد للمطالبة بانشاء المحكمة تحت البند السابع من ميثاق الامم المتحدة". ورد المكتب الاعلامي للرئيس السنيورة بدوره على المكتب الاعلامي للرئيس بري موضحا ان الرسالة التي ذهبت الى الامم المتحدة "هي لتزويد الامين العام نص العريضة التي تقدم بها 70 نائبا الى رئاسة المجلس مطالبين بعقد جلسة طارئة لمجلس النواب(...) وهذا الامر ليس سرا". ثم صدر رد من مكتب بري على السنيورة تساءل فيه: "ما هو اختصاص الامم المتحدة في هذا الموضوع؟ فهل اصبحت مرجعية لممثلي الشعب اللبناني؟"

حماده

من جهة اخرى اكد وزير الاتصالات مروان حماده "تصميم قوى 14 آذار على احياء ذكرى الرئيس الشهيد رفيق الحريري" محذرا "قوى 8 آذار من عرقلة ذلك". واذ شدد على اهمية مواصلة الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى مبادرته في لبنان وصف الهدوء الذي تعتمده المعارضة بأنه "قسري"، واضاف: "المعارضة ادركت ان الهروب الى الامام سيكون خطوة نحو حرب اهلية، واي خطوة الى الوراء هي هزيمة فبين الحرب والهزيمة هم لا يدرون ما سيفعلون".

كرامي

ورأى الرئيس عمر كرامي من ناحيته "ان انهاء الاعتصام المفتوح في الساحتين يعني انهاء السلاح الامضى لدى المعارضة في معركتها السياسية مع قوى السلطة والاكثرية الوهمية". وقال:"ان لبنان يمر بأخطر مرحلة حتى حزيران المقبل، ويمكن ان نتنفس الصعداء اذا توقف مشروع الرئيس جورج بوش".

دمشق

في دمشق قال رئيس تحرير صحيفة "الثورة" عبد الفتاح العوض في افتتاحيته: "يبدو مريبا جدا هذا السخاء الاميركي – الاوروبي لحكومة 14 شباط (...) فبعدما فشلوا في الحرب العسكرية وفشلوا ايضا في الضغط السياسي والاقتصادي وسياسة العزل والاقصاء ها هم الآن يجربون طريق الفتنة (...) نحن نعلم ان الحالة شاذة جدا في لبنان الى درجة ان الحكومة نفسها هي التي تثير الشغب والفوضى بحثا عن الفتنة". وورد في افتتاحية صحيفة "تشرين": "(...) في لبنان يستقوي فريق السلطة على الغالبية اللبنانية الحقيقة بالاميركي والفرنسي، في وقت يعرب فيه الاسرائيلي عن قلقه على هذا الفريق، وكأن المطلوب شطب الغالبية الشعبية لمصلحة فريق لم يخف يوما ولاءاته للخارج" كما لم يخف عداءه للعروبة والمقاومة وسوريا. وعلى الرغم من اخطاء هذه الاوضاع ومأسويتها فان الاخطر لم يعد اليوم الصمت العربي الذي كان الشارع العربي يشتكي منه، بل تورط بعض العرب في كل ما يجري، ربما كان انسياقا وراء مقولة ساقطة مفادها: "اذا جاءت العاصفة فاحن رأسك لها" او "العين لا تقاوم المخرز" وغير ذلك، وربما من اجل الحفاظ على الكراسي والمناصب والسلطة ظنا من هذا الفريق العربي او ذاك أن الانصياع لأوامر البيت الابيض و"تمنياته" يبقي الرؤوس على الاكتاف والكراسي للجالسين عليها! ويتناسى هؤلاء ان من يحمي الرؤوس والكراسي هي الشعوب الملتفة حول قياداتها، وليس الاجنبي الذي يؤلب بعض الحكام على الشعوب والامة ويدفعهم الى المغامرة المطلقة ووضع كل اوراقهم في السلة الاميركية حتى لو جاءت جميع سياساتهم ومواقفهم معادية

مصادر
النهار (لبنان)