مرة أخرى لا يظهر على هؤلاء الإقليميين أو الدوليين المنخرطين في سياسات المنطقة حد الثمالة كثيراكتراث بما يتجاوز التصريحي والإعلامي بتلك الضريبة التي يكلفنا إياها الاستماع إلى نصحهم و الركون إلى وعودهم وشد قبضاتهم في المصافحات , فالرباعية لا تزال مصرة بشكل مََرَضِي على مقاطعة الحكومة الفلسطينية المنتخبة و منحها دائما مزيدا من الأسباب للتذمر الشعبي و التشدد, في حين ما انفكت الشاحنات تعبرالحدود قادمة من مصر و لحساب مكتب الرئاسة برعاية أميريكية و أوروبية , محملة طبعا بالخيام " فقط " , ربما لمساعدة أبو مازن على إنشاء مخيم آخر لإيواء لاجئين محتملين سيتوافدون ولابد من مخيمات أقدم قد تعمد إسرائيل دون مسائلة تذكر إلى تجريفها مستقبلا عندما يعنّ على بالها الأمني ذلك .

450 ( أربعمائة و خمسون) قتيلا حتى الآن ومئات الجرحى و عشرات المخطوفين ؛ لا في زلزال ضرب , و لا في إعصار هب , و لا في تسونامي اكتسحت , و الأنكى ليس في اجتياح إسرائيلي هستيري آخر , بل في شجار عائلي سياسي فلسطيني من الحجم القومي , و هو إنشاء مرتجل كي نبتعد قدر الإمكان و ندفع عنا غواية استخدام المصطلح الأقسى " حرب أهلية " .

فالمتابع العنيد لاتصالات التهدئة الجارية بين الفصيلين الفلسطينيين اللدودين الأبرز" فتح" و "حماس" يكاد يخال أن الهدف من هذه الاتصالات قد بات غاية أولمبية ماراثونية بحد ذاتها , أكثر منه مطلبا قوميا أو حاجة شرعية وفق تعبيرات كل طرف , حيث أن الإعلان عن هدنة سريعة و سحب للمقاتلين من الشوارع و الأزقة و الأسطحة يوشك أن يستحيل رو تينا إخباريا عاجلا , يضاف إلى أنباء الوساطات و المناشدات و الدعوات و المساعي التي تبذل تحت و فوق وعلى طرف تلك الطاولة إياها ؛ من قبل أكثر من جهة ساهمت هي نفسها بطريقة أو بأخرى حتى وقت قريب في إيصال هذا الصراع السياسي الداخلي إلى بعده الدموي الحالي الذي نشهد .

و رغم الخبرة الميدانية العريقة بعقلية التفكير و التدبير الإسرائيلية و التي لا تنقص أيا من ( كتائبيي) "شهداء الأقصى" و نظيرتها "عز الدين القسّام" ؛ إلا أن أحدا لا يبدو أنه يصخي السمع جيدا لذلك التصفيق الحماسي المكتوم الصادر عن تلك الغرفة غير البعيدة حقاً , آخر البهو , وراء الجدار العازل _ ليس تماما_ حيث يقبع أولمرت في فاصل ترفيهي ينسيه حتى حين بعض ما يعانيه من وطئة الفضائح المالية والعسكرية والجنسية التي تحيق بحكومته.

ولئن كان ثمة من يعترض على هذا العويل و الندب الوطنيين تجاه ما يحدث على اعتبار أن أحدا من الأطراف المتنازعة لا يستطيع أن يزعم تاريخا طهرانيا أبيض في مسيرته فيما يخص علاقاته بأشقائه على وجه الخصوص ؛ إلا أن ذلك لا يعفي أحدا بأي شكل من الأشكال من الانغماس في هذا العمى السياسي و الفئوي المستشري , والذي يحول بين هؤلاء الأشقاء بالذات و بين استجلاء جزء غير يسير من حقيقة ما يجري على مستوى أعلى أو أخفض , والمتمثل بتابعية وارتهان الأطراف الوالغة في الاقتتال الداخلي لجهات خارجية إقليمية ودولية, يحاول كل طرف انتزاع شرعيته الخاصة منها , أطراف باتت تُسّير بالتخيير أكثر منه بالجبر و القسر أدواتها في المنطقة , وفقاً لذلك التوزيع والتحريك الشطرنجي العريق للعصي و الجزر فوق مربعات المنازل المهدمة و الجثث الطازجة , أكثر منه تحالفا كلاسيكيا مع أنظمة مفروضة ومعارضات مفترضة .

وإن كان لا يزال ثمة تعويل في مكان ما _ ضمائر أهالي الضحايا غالباً_ على أن يصحو المتنازعون على مسؤولياتهم , أقله قبل لقاء "مكة" المنتظر بين رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل و بين رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس ؛ فإنه من المفترض بالحاصل على الأراضي الفلسطينية أن يكون من جهة أخرى رسالة تحذير( مكرر معجل) فاقعة يمكن لمسؤولين و زعماء و زاعمين لبنانيين و سوريين قبل غيرهم مستعدين للتخلي عن أميّتهم أن يستخلصوا منها عبرة أو اثنتين , في حال كانوا لا يزالون مترددين إيديولوجيا أو طائفيا أو إثنيا أو أمنياً , حول تقييم أبعاد ما جرى في ثلاثاء و خميس بيروت الماضيين , و آذار القامشلي و مساء مصياف , ناهيك عن الكوارثي اليومي في العراق .

يوما بعد يوم وأكثر فأكثر يجد المتورط في متابعة الشأن السياسي في هذه المنطقة من العالم نفسه مضطرا لإضافة توصيف جديد لتراب هذه البقعة من الأرض , فعدا عن كونه مقدسا دينيا , و عزيزا وطنيا , و ثمينا نفطيا , و حاسما استراتيجيا , ولا يفرَّط بحبة منه شعاراتيا , لا يجد المرء بدا من أن يضيف إلى تلك القائمة المديدة بل أن يقدّم على كثير من بديعها البداهي صفة أخرى غير مفارقة و أكثر إلحاحا ؛ و هو كون هذا التراب نفوذا جيولوجيا , و غير قابل لأن يرتوي يوما . فمن الممكن التاريخي الزعم أن من أخص خصائص هذه الأرض هنا قدرتها الهائلة على امتصاص وتشرّب كل ما يراق فوقها دون أن يظهر له بعد ذلك أدنى أثر, و لا أدل على هذا عمليا من غالونات الدماء التي تهرق بما يشبه المجان و على مدار الساعة هنا و هناك في زاوية ما مما يسمى بلاد العرب ..... السعيدة .

مصادر
سورية الغد (دمشق)