الاتحاد / باتريك سيل

أثار الرئيس الفرنسي جاك شيراك أزمة دبلوماسية محدودة المدى الأسبوع الماضي، بسبب استخفافه بفداحة الخطر الذي تمثله إيران النووية. وكان قد جاء على لسانه في هذه الصدد، قوله: "حتى إذا ما تمكنت إيران من تطوير قنبلتها النووية، فإنه لن يكون في مقدورها استخدامها، دون أن تواجه رداً فورياً ومدمراً على سلوكها العدواني". أما التضمينات المباشرة التي يمكن قراءتها في هذا التصريح، فهي أنه أصبح في حكم المستحيل تقريباً منع إيران من الحصول على ترسانتها النووية أولاً، ثم تليه ثانياً، قدرة القوى الأخرى على ردع إيران، في حال سعيها لاستخدام أسلحتها النووية. وتكتسب تعليقات شيراك هذه أهمية خاصة، لكونها تتناقض والموقف الأوروبي المُعلن، الذي أيدته فرنسا نفسها من خلال التصويت لصالحه في جلسة مجلس الأمن الدولي، التي أقرت فرض عقوبات دولية عليها، في حال رفضها وقف أنشطتها النووية الخاصة بتخصيب اليورانيوم. واشنطن وتل أبيب أعلنتا عدم تساهلهما إزاء أي قنبلة نووية إيرانية. وليس غريباً أن كرر المسؤولون الإسرائيليون مراراً القول إنه وفيما لو لم تسعَ الولايات المتحدة لتدمير المنشآت النووية الإيرانية، فإنه سيتعين على إسرائيل تدميرها. وعلى نقيض هذه المواقف جميعاً، جاء شيراك ليعلن على الملأ كافة، إنه ربما كان من قدر العالم أن يتكيف مع حقيقة تحول إيران إلى دولة نووية. ومثلما عارض شيراك غزو العراق، من قبل وأصاب في معارضته تلك، فها هو اليوم يقول للعالم كله إن ردع إيران لخير ألف مرة من العدوان عليها. وفي هذا ما يعكس جزعاً أوروبياً واسع النطاق، من أن تكون إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة، قد مضتا شوطاً بعيداً في الإعداد لخوض مواجهة عسكرية مع طهران، بكل ما تضمره مواجهة كهذه من عواقب كارثية على منطقة الشرق الأوسط والعالم بأسره. وكانت هذه التعليقات المثيرة للخلاف، قد وردت في حديث غير رسمي، أدلى به شيراك في 29 من يناير الماضي لعدد من صحفيي "نيويورك تايمز" و"إنترناشونال هيرالد تريبيون" و"فرينش ويكلي" و"لونوفل أوبسرفاتور". وكان من المفترض في تلك التعليقات غير الرسمية ألا تتحول إلى مادة للنشر الصحفي، وأن تحتفظ بسريتها. وفي ردة فعل جزعة على هذا الانتهاك الذي حدث لسرية تلك التصريحات، أصدر قصر الإليزيه من جانبه بياناً تراجعياً عما نسب فيها لشيراك. وبحسب البيان الرسمي الصادر عن المكتب الرئاسي في الأول من فبراير الجاري: "تعلن فرنسا والمجتمع الدولي، عدم قبولهما لحصول إيران أو تطويرها لأي أسلحة نووية، ويطالبان طهران باحترام تعهداتها والتزاماتها المنصوص عليها في معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، في ذات الوقت الذي تحتفظ فيه بحقها في تطوير الوقود النووي للأغراض السلمية المدنية". وأضاف البيان واصفاً البرنامج النووي بالعتمة والغموض، ما يعني خطورته، واحتمال إفساحه المجال لخطر الانتشار والسباق النووي. وذكر البيان أيضاً أن تطوير إيران للسلاح النووي، يهدد بزعزعة استقرار منطقة الشرق الأوسط، وأن فرنسا تفضل جعلها منطقة للخمول النووي. لكن على رغم هذا التراجع الرسمي عن الموقف الذي أعلنه شيراك، فإن الضرر قد حدث سلفاً، ووقعت الفأس في الرأس. ولذلك فإن ثمة ما يستحق الوقوف عند مقولة شيراك وإمعان النظر في ذلك الحديث غير الرسمي، حسب ما ورد في صيغته الصحفية: "أود القول إنه ليس من الخطورة في واقع الأمر أن تحصل إيران على قنبلتها النووية الأولى، ثم تليها الثانية لاحقاً في وقت ما... حسناً، إنه ليس بكل ذاك الخطر". ومضى شيراك مستطرداً: "وفيما لو استمرت إيران في نهجها هذا، وتمكنت من إتقان تكنولوجيا توليد الطاقة الكهربائية نووياً، فإن الخطر لا يكمن هنا في القنبلة النووية التي ستحصل عليها، وليس في وسعها استخدامها. فأين لها أن تلقي بتلك القنبلة؟ على إسرائيل مثلاً؟ لتعلم إذن أن قنبلتها هذه لن تتعدى حدود الـ200 متر في الغلاف الجوي، قبل أن تكون طهران قد محيت من الأرض تماماً". إذن فإن الخطر يكمن في الانتشار النووي، وفي الإغراء الذي تشكله السابقة الإيرانية لدول إقليمية أخرى في المنطقة، خاصة وأن لبعضها موارد مالية هائلة. وفي انتقاد مبطن للولايات المتحدة، قال شيراك إن السلطات الإيرانية تواصل مساعيها الرامية لتطوير التكنولوجيا النووية للأغراض العسكرية. وربما تكون دوافعها وراء هذا السعي، حماية نفسها من مفاجآت غير سارة يضمرها لها أعداؤها، ربما تقع في وقت أو آخر بقصد الإطاحة بالنظام القائم الآن. وعلى أي حال، فإن هناك من المراقبين والمحللين من رأى أن شيراك قد أراد لمضمون هذا الحديث غير الرسمي أن يتداول ويشيع، بقصد تأليب الرأي العام ضد ضربة أميركية محتملة لطهران، على رغم التراجع الرسمي اللاحق عنه. وفي الإمكان تلخيص موقف شيراك برمته في النقاط التالية. أولاً التأكيد على أن إيران تشكل قوة إقليمية رئيسية، لها مصالحها. ثانياً في وسع طهران المساهمة في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة. ثالثاً وأخيراً، تؤمن فرنسا بأن السبيل الأمثل لحل الأزمات ولضمان مستقبل أفضل لمنطقة الشرق الأوسط، هو الانخراط في الحوار، وليس المواجهة العسكرية مع طهران. وفي كل هذه النقاط كما نلحظ، فقد اتخذ شيراك موقفاً معارضاً ومناهضاً للولايات المتحدة، تماماً مثلما فعل قبيل الغزو الأميركي للعراق في صيف عام 2003. لكن على رغم ما في هذا القول من وجاهة ومنطقية، يجب الأخذ بهما بعين الاعتبار، لم يكلف شيراك نفسه مطلقاً جهد النظر في الكيفية التي ستؤثر بها حيازة إيران للأسلحة النووية على ميزان القوى الإقليمية في المنطقة. وكما نعلم، فإذا ما قدر لطهران تطوير ترسانتها النووية الضاربة، فإن الذي لا ريب فيه، أن تطوراً كهذا، سيشكل تحدياً كبيراً للهيمنة الإقليمية الأميركية، لاسيما على منطقة الخليج ذات الأهمية الاستراتيجية الحاسمة. وضمن ذلك سوف تقصقص أجنحة كل من واشنطن وإسرائيل، وبذلك تفقد كلتاهما حرية الحركة والفعل الإقليميين اللذين تتمتعان بهما حالياً. وفوق ذلك كله، حصول طهران بسبب رادعها النووي، على حصانة ضد أي عدوان عسكري عليها. وربما كانت تلك هي العواقب الوخيمة، التي تبدي واشنطن حرصاً واضحاً على تفاديها والحيلولة دون وقوعها بشتى السبل.