النهار / سركيس نعوم

لا يتوقع الاميركيون الذين يتعاطون الشأن العام مباشرة ومداورة أي تغيير أساسي في السياسة الخارجية في السنتين المتبقيتين من ولاية الرئيس جورج بوش رغم الاخفاق الذي منيت به في حربها على العراق والآثار السلبية جداً التي رتبتها هذه الحرب على أميركا ومصالحها في الشرق الأوسط والعالم. لكنهم يتوقعون ان تكون الانتخابات الرئاسية المقبلة في بلادهم (اواخر 2008) فرصة ليس لتغيير حقيقي في البيت الابيض فقط بل ايضاً لتغيير في الاستراتيجيا الاميركية حيال العالم وقضاياه المتنوعة يطول اساليب المحافظة على المصالح الحيوية والاستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها في العالم وليس المصالح نفسها. ما هو نوع التغيير المتوقع في مرحلة ما بعد ولاية الرئيس جورج بوش؟ يخشى اميركيون كثيرون ان تتسبب مرحلة بوش الابن برد فعل سلبي يتمثل في انتهاج الرئيس الاميركي المقبل سياسة "الانعزال" عن العالم والاهتمام فقط بأميركا وأمنها ورخاء شعبها ومصالحها. وهي سياسة كان لها مناصرون في الماضي ولا يزال لها مناصرون. ويزداد عدد هؤلاء كلما وقعت الولايات المتحدة في ورطة كبيرة تسببت لها بخسائر جمة معنوية وسياسية ومادية وبشرية كحرب فيتنام في سبعينات القرن الماضي وحرب العراق في السنوات الثلاث الاخيرة. لكن خشية هؤلاء قد لا تكون مبرّرة لأن تأمين الأمن والرفاه والرخاء للشعب الاميركي والمصالح الحيوية الاميركية لا يمكن تحقيقه بالانعزال وخصوصاً بعدما صار العالم كله "قرية كونية" واحدة وبعدما تشابكت مصالح كل دوله والشعوب. لكنها قد تؤثر على واضعي السياسات والاستراتيجيات في اميركا، بحيث يأخذون العبر من أخطاء الماضي قريبه والبعيد اثناء قيامهم بعملهم ويحاولون الافادة من ايجابيات العولمة التي اجتاحت العالم وتَجَنُّب سلبياتها التي غالباً ما يتسبب بها اندفاع غير مدروس لقوى دولية مهمة ولمسؤولين دوليين كبار، ومعرفة محدودة بالعالم ومشكلاته وقضاياه. انطلاقاً من ذلك يعتقد متابعون ومن قرب لما يجري في اميركا ان قادتها الحاليين والمستقبليين لن يستطيعوا ترك منطقة الشرق الأوسط وخصوصاً الخليج "الفارسي" كما يسمونه لمصيره او للاقدار واعتبار انه ليس موجوداً او حتى ليس مهماً لهم ولبلادهم. والسبب هو اقتناعهم بأن لاميركا مصالح استراتيجية كبيرة فيها، ابرزها اثنتان: الأولى دائمة وهي استمرار تدفق النفط الذي تشكل المنطقة المذكورة قسماً كبيراً من احتياطه العالمي. والثانية قد تكون موقتة، وهي اعاقة الطموحات النووية للجمهورية الاسلامية الايرانية واحباطها في حال التأكد من ان الهدف منها انتاج اسلحة نووية وامتلاكها وربما الاتجار بها. والسبب هو ايضاً ان الحرب على الارهاب لم تنته بعد بل لا تزال في بدايتها ولا تستطيع اميركا والقوى الكبرى في العالم وخصوصاً الغربية منها ان توقف هذه الحرب، لأنها استهدفتها ولا تزال وستبقى. والسبب هو اخيراً عدم رغبة معظم القوى الشرق الاوسطية في ترك اميركا المنطقة بما في ذلك ايران الاسلامية رغم كل كلام معاكس. هل من عناصر معينة للاستراتيجيا الجديدة التي تبقي الالتزام الاميركي لكن من دون تهور في تطبيقه والتي ترفض الانعزال؟ لا عناصر محددة لها حتى الآن، يجيب المتابعون انفسهم، لكنهم يقولون انها قد تقود الى تحقيق نوع من الانفراج مع ايران وخصوصاً اذا كانت لا تزال غير نووية بعد الانتخابات الرئاسية الاميركية المقبلة. وحتى ذلك الوقت ستستمر اميركا في مواجهة ايران بتهديدات مثل مهاجمة بنيتها التحتية النووية وتوحيد العالم العربي وتحديداً السني ضدها والهدف من ذلك اقناعها بأن الممنوع هو امتلاكها تقنية انتاج اسلحة نووية وليس تقنية انتاج طاقة نووية للاغراض السلمية. وسيكون ايضاً اقناعها بالاعتدال في طموحاتها لأنها في اصرارها على سياستها الحالية لن تربح على المدى البعيد في أي مواجهة بينها وبين العرب السنة. وسيؤدي ذلك الى خسارتها قدرتها الاقليمية الكبيرة كما الى خسارة اميركا قدرتها على ضبط المنطقة. ومن شأن ذلك جعل أي حوار أو تفاهم استراتيجي اميركي – ايراني لاحقاً مستحيلاً. ويقول المتابعون الاميركيون انفسهم ايضاً ان الحروب البرية الشاملة ستختفي تقريباً من الاستراتيجيا الاميركية الجديدة وخصوصاً بعد تجربة الحرب في العراق. لا يعني ذلك ان الجيش الاميركي لن يُزاد عديده بنحو مئة ألف عسكري. ولا يعني ايضاً عدم استعمال القوات المتنوعة الاميركية في عمليات خاصة أو محدودة بل يعني ذلك الاعتماد على القوى الصاروخية والجوية لتدمير البنى التحتية للدول التي تخوض معها اميركا مواجهات. ويقولون ثالثاً ان الاستراتيجيا الجديدة يفترض ان تدفع جدياً في اتجاه حل الازمات الاقليمية الخطيرة وفي مقدمها الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي وكذلك السوري – الاسرائيلي ولكن في حال قررت سوريا بشار الاسد العودة الى الاعتدال والحكمة واظهرت الرغبة في التسوية. ويقولون ايضاً واخيراً ان هدف الاستراتيجيا الجديدة هو اعادة اميركا الى ما كانت عليه قبل عام 1990 أي متابعة العالم وقضاياه من "فوق" ومحاولة حل مشكلاته وقضاياه من دون التورط فيها مباشرة تلافياً لأن تعود الى دائرة الاستهداف من جديد. في النهاية يؤكد المتابعون اياهم ان الاستراتيجيا الجديدة اذا ابصرت النور ستبقي دعم اميركا لحلفائها في المنطقة وفي مقدمهم السعودية ومصر والاردن ولبنان. هل هذه أحلام أم أوهام أم تمنيات أم واقع؟ لا أحد يعرف. وحده ما سيجري خلال ما تبقى من ولاية جورج بوش وما سيجري بعد حلول آخر مكانه في البيت الابيض يمكن ان يوفر الجواب عن هذا السؤال.