بات معروفاً أن العالم أصبح رقعاً إعلامية أكثر مما هو عليه جغرافياً وديمغرافياً، حيث باتت الدول تعرف بفضاءاتها ومساحاتها الإعلامية التي تحمّلها باستراتجيتها وثقافاتها واتجاهاتها لتستحوذ بها وعبرها على سماوات أخرى تمثل سياسات وثقافات مختلفة. وليس أدل على أهمية الإعلام ووسائله مما بات معروفاً في العالم من أن الدولة ذات الإعلام القوي تعتبر قوية وقادرة فلقد أصبح الإعلام رئيسياً في بقاء بعض الدول وخاصة تلك التي وجدت فيه إحدى دعاماتها الرئيسية الأولى بل قدمته على باقي دعائم الدولة.

فنظريات الإعلام التاريخية التي كانت تتوجه بتطبيقها إلى التأثير في مجتمع محصور بحدود سياسية وطبيعية خدمة لنظام أو لحاكم أو لسلطة ما تحولت اليوم لتؤثر في مجتمعات بأسرها لتشكل أقاليم وقارات فضائية قوامها المواقف والاتجاهات والثقافات المهجنة الجديدة، عبر سياسات إعلامية محكمة وموجهة، وآلة إعلامية جسدت ثورتي المعلومات والتكنولوجيا بشكل رهيب.

وأدل مثال على ما ذكرناه هو الامتداد الأميركي- الإسرائيلي الفضائي الذي اخترق السماء والأرض العربيتين وأثر ويؤثر بمواقف عربية ليحيدها عن الخط العربي المتبني لقضايا أمته (في الحد الأدنى) ليأخذ بهذه المواقف عبر تشويه الحقائق وخلط المفاهيم أمام الرأي العام العربي إلى صلب استراتجيتهما في العمل ضد مصلحة قضايانا وتجييش هذا الرأي ودفعه بالاتجاه الآخر، وفي نفس السياق عملت وتعمل هذه الاستراتيجيات على خلق العدو عبر الإعلام لترتيب أحلاف عالمية تحت مسميات عديدة لتنفيذ مشاريعها الاستعمارية ومطامعها في المنطقة مثلما فعلت في ما سمي الحلف ضد الإرهاب وكذلك حملتها الإعلامية المركزة في إقناع العالم بخطر الأسلحة النووية العراقية والتي ثبت فيما بعد أنها تقارير كاذبة وضالة، لكن بعد ماذا؟!! والآن تزرع الخوف في القلب العربي مما تسميه المد الفارسي في المنطقة ويبدو أن إرهاصات هذا الخوف بدأت تتبلور كإجراءات وقائية وربما أبعد من ذلك ، فجولة وزيرة الخارجية الأميركية الأخيرة على المنطقة بحجة حشد الدعم العربي لخطة بوش في العراق لم تحمل هذا البعد فقط! ما نود قوله إن نتائج هذه السياسات الإعلامية باتت واضحة في بعض المواقف العربية على المستويين الرسمي والشعبي والتي ابتعدت تماماً عن المصلحة العربية بعدما كانت تقف موقف الصمت على الأقل، هذا فيما يتعلق بحضور الإعلام في المجال السياسي وفوق ذلك دخل الإعلام في «أجندات» الحروب بمراحلها التمهيدية والميدانية وأمثلتنا على ذلك وفيرة ولكننا لا نبالغ عندما نقول إن الإعلام أصبح يحمل العتاد الحربي ليصوب به على أعدائه، وأثبت ذلك سماحة السيد حسن نصر الله في حرب تموز عندما طلب من العالم كله عبر خطابه المباشر أن يتحول بأنظاره (الآن) إلى البارجة الإسرائيلية ليراقبها وهي تقذف بنيران المقاومة فتحترق.

وهنا لم نسأل عن حضور الإعلام العربي في الفضاء العالمي وعن أي وطن فضائي يسعى لرسمه لأن الإجابة هنا ستكون مرتبطة فقط بتجربة الجزيرة الأم التي توزع جزرها الفضائية بشكل مدروس في مساحات الإعلام الفضائي ولكن هذه التجربة ونجاحاتها ليست كافية وبالأصح ليست معنية بدواخل مجتمعاتنا العربية الفكرية والثقافية وليس مناطاً بها أصلاً مهمة تنمية العلاقات البيئية وزيادة التماسك الاجتماعي داخل المجتمع السوري على سبيل المثال.

ولذلك نسأل: ما حضور الإعلام السوري أرضاً وفضاءً في توجيه وتكوين المواقف والاتجاهات أو في تنمية ما سميناه العلاقات البينية داخل المجتمع السوري بكل أطيافه وزيادة التماسك الاجتماعي فيه وما حضوره كمصدر ثقافي معلوماتي أو حتى ترفيهي؟

إن الإعلام في سنواته الأخيرة لم يقدم جديداً في وظيفته الأساسية بتكوين المواقف والاتجاهات.. بل إنه يغرف من إرث نتاجه الماضي في الثمانينيات والتسعينيات مع العلم أن جملة المتغيرات السياسية الجذرية في المنطقة في بعض الأحيان خلال السنوات الأخيرة، جعلت من سورية بموقعها ومواقفها مرتكزاً للأخبار والأحداث.

وهذا الإعلام الذي كان يجب عليه ولا يزال التوجه إلى الداخل والخارج بخطاب مقنع يعكس حقيقة وصوابية الموقف السوري رأيناه منفعلاً متأثراً بالأحداث لذلك نقول إن ثبات نتائج مهمته الأساسية في تكوين المواقف والاتجاهات يعود الفضل فيه إلى حالة التشبع بالوطنية والانتماء التي نعيشها أصلاً بالفطرة والاكتساب من خلال أسرنا ومدارسنا وليس الفضل فيه إلى الإعلام، فتعاطي إعلامنا مع قضايا بلدنا منفر أكثر مما هو مساهم في تكوين رأي عام يتفق مع سياسة بلدنا حيال قضاياه. وفي هذا السياق كل ما نخشاه ألا يفلح هذا الإعلام بوضعه الراهن في تشكيل جدار صد صلب في وجه محاولة الاستلاب الخارجي للرأي العام الداخلي السوري بقضاياه العادلة لأننا نتحدث هنا عن مجتمع كباقي المجتمعات له ثغراته وله احتياجاته التي لم يرتق إعلامنا إلى مستوى التحدي معها.

لننظر مثلاً إلى فلسفة الإعلام وتعني بحث العلاقة الجدلية بين الإعلام وتطبيقاته في المجتمع أي تحليل التفاعل بين أسس الإعلام كعلم وبين ممارساته الفعلية في الواقع الاجتماعي على جميع الصعد فنجد أن أولى مرتكزات هذا البحث هو لزوم وجود مركز دراسات وأبحاث إعلامية تستطلع الرأي في العلم وتوجهاته وهذا غير موجود مع كل الصيحات التي نادت بوجوده كركيزة أساسية لتطوير الإعلام!!

لنغفل هذا الجانب ونتجه إلى استراتيجية الإعلام السوري بحدود الممكن والمتاح لإيجاد مثل هذه الاستراتيجية، وتحديداً في المتلفز باعتبار أننا نتحدث عن الفضاءات الإعلامية التي وسمت عصرنا بسمتها، فإلى متى ستبقى الاستراتيجية الإعلامية أسيرة مزاج شخصي أو اجتهادات شخصية أو فكرة ما ومضت في ذهن مدير ما..؟ إن الاستراتيجية الإعلامية لا تقوم إلا على حقائق واقعية وعلمية ومادية ورغبة الدولة الحقيقية والواضحة بالتطوير. إذاً كيف توضع الاستراتيجية- إن وضعت- طبعاً بطريقة ارتجالية تغيب عنها مراكز الأبحاث وما تتضمنه من سبر للذوق العام وغالباً ما تكون مؤجلة بانتظار ما ستسفر عنه الصراعات في المنطقة واستقرار النظام الدولي الجديد؟ هل ستبقى القيادة العالمية لأميركا أم سيظهر من سيقاسمها هذه القيادة وبعدها نرى ماذا سنختار من سياسة إعلامية ومبادرات تتبعها لإقرار سياسة معينة؟ في حدود علمي إن الحوار نعمة إلهية حيث يفترض التشاركية في الحوار بين المتخصصين والمفكرين وهم كثر ليصلوا إلى خلاصة تكون بمثابة التأسيس والخطوة العريضة التي يسترشد بها الإعلامي ويتحرك داخلها ضمن الفوضى السياسية والإعلامية السائدة.

فنجد أنه حتى العمل على رسم استراتيجية ليس له علاقة بأسس التحضير لإيجاد استراتيجية، فمفهومنا عن الاستراتيجية الإعلامية هو: الأمزجة الفردية للمديرين الذين يشغلون مناصبهم واحداً تلو الآخر فبالتالي العمل الإعلامي يكون بـ(استراتيجيته) المناطة بخطة عمل المدير الارتجالية، ونحن ندرك تماماً أن الحراك الإعلامي لأي مؤسسة يجب أن يكون ضمن إطار الذوق العام للارتقاء بجوانبه الإيجابية وتعزيزها وبث بذور التغيير في سلبيته لكن ما يجري في إعلامنا أننا كذوق ورأي عام جماهيري ندور في فلك مؤسسات إعلامية «استراتيجيتها الإعلامية» لا تتعدى كما قلنا ذوق عائلة المدير!! وبالتالي هي بعيدة كل البعد عن الأخذ بمعايير العمل الإعلامي، هذا بالنسبة لخطاب هذه المؤسسات أما بالنسبة لآلية عملها وأسسها ومعاييرها ضمن المؤسسة فإنما الأصل أن أخلاقيات العمل الإعلامي والذي يعتبر الكادر الإداري أبرز تجلياتها الساطعة- يفترض أن يكون كذلك- تمتلك دائماً وأبداً آليات تصحيح مسار هذا الكادر وتقويم انحرافات بعض هؤلاء من خلال المكاشفة والمحاسبة والعلنية والشفافية وبهذه الآلية فقط تتراجع ثقافة الانحدار الإداري التي قوامها النميمة والفساد والكذب والمواربة وتبقى المؤسسات الإعلامية بكوادرها المحترمة والصحفيون الإعلاميون الشرفاء فوق عرش المهنة.

ومن المؤسف القول إن مؤسساتنا الإعلامية تحتضن عن غفلة صحافة صفراء استطاعت أن تعشش في الذهنية الإدارية حتى باتت جزءاً لا يتجزأ منها وقوامها الرئيسي الحفاظ على المنصب أو النيل من الآخرين، ما يعرض إعلامنا كفكر وإدارة ليس إلى الزوال وإنما لتأسيس مؤسسة ممتدة تبث سمومها وفسادها في باقي قطاعات العمل باعتبار أنها يجب أن تكون نافذة في باقي هذه القطاعات ومن هنا نقول: إن إصلاح الإعلام يمثل قلب أي إصلاح فبغيره لا يمكن أن يتحقق أي إصلاح، وإن تحقق فلا ضمان لاستمراره إلا في ظل إعلام قوي يحميه من محاولات تفريغه من مضمونه.

ونسلم بأن الإعلام السوري بصفته وسيلة اتصال بين كل ما هو موجود ضمن مكونات المجتمع والدولة هو المعول عليه في استقرار المجتمع والثقافة والسياسة.. فهل يعي القائمون على إعلامنا هذه الحقيقة؟! هذا هو السؤال.. ويتسع السؤال عند تناول الإعلام الخاص..