مشهد دمشق بعد سنوات الانفتاح الاقتصادي:

بعضهم يستظل التغيير...والغالبية تنتظر

سورية تتغير. ليست سورية كلها مشمولة بالتغيير، لكنه تغيير يطال بعضها بالتأكيد. السرعة تختلف. ايقاع التغيير سريع من وجهة نظر السوري الذي يعيش في بلده وان كان لا يلمحه يوميا. الامر مختلف بالنسبة الى المغترب الذي يرى التغيير عملية بطيئة.

اكثر من يلمس الاختلاف، هو ذاك السوري الذي غاب عن بلده فترة طويلة. بمجرد الوصول الى مطار دمشق الدولي، يمكن تلمس تغيرات طرأت على طبيعة الحياة. فلا تبدو سورية مثل كوبا ولا هي كوريا الشمالية، كما يعطي الانطباع بعض وسائل الاعلام الغربية.

صحيح ان بعض رجال الامن لا يستقبلون القادم كما يشتهي وان الروتين لا يزال جاثماً على البوابات الحدودية، لكن اللوحات الاعلانية تنتشر في كل مكان، وهناك الاسواق الحرة التي اقيمت في المداخل الحدودية البرية والجوية، كما هو الحال في أي بلد آخر. مجمّع تجاري في دمشق (الحياة)

بمجرد الانتهاء من التعامل مع المؤسسات الرسمية من جمارك وامن، هناك نموذج آخر. انه القطاع الخاص. شركات نقل خاصة وشركات هاتف نقال ومصارف خاصة «ترحب» بالضيوف القادمين الى سورية. وبين المطار او الحدود وقلب العاصمة، هناك الكثير من اللوحات الاعلانية لأشهر الماركات العالمية من الالبسة والعطورات والخدمات.

في المدينة، الامر مختلف لكن مشابه لتلك الصورة المركبة. تناقض كبير، أبنية تعود الى الارث «السوفياتي» وتذكّر بالولع السابق بنسخ علب الكتلة الشرقية السكنية. أبنية شاهقة ومبنية من الاسمنت الرمادي الخالي من الروح. انها مؤسسات حكومية او للسكن العام شيدتها جمعيات حكومية. تنتصب على جانبي الشوارع. بعضها بني بطريقة تناسب «حالة اللاسلم واللاحرب».

هذه الصورة ليست جديدة، بل هي متجذرة. الجديد هو حجم التغيير الذي طرأ على الفلسفة العمرانية لدمشق. ابنية جميلة هندسياً بدأت تظهر. تقتير الدمشقيين على المظهر الخارجي معروف في الاوساط السورية على عكس اهالي حلب المعروفين بالبذخ، لكن لمسات غير شامية بدأت تقع على لوحة العمران الشامية. فندق «فورسينزنز» خير مثال على ذلك. مقر «المصرف الاسلامي» مثال اخر مميز وسط عبثية الابنية الممل. حتى ان «الحداثة» العمرانية دقت باب مبنى «الهيئة العامة للإذاعة والتفلزيون» قرب ساحة الامويين: زجاج يكسو واجهات البناء. لكن فجأة توقفت العمليات الاكسائية، لأن القيمين اكتشفوا انهم على وشك نقل البناء بأكمله الى خارج المدينة.

اذا جازت المبالغة لأمكن القول ان جميع الطبقات السفلية من ابنية الشوارع الراقية في العاصمة السورية، هي في طور الترميم واعادة البناء. هنا مصرف خاص وهناك وكالة لشركة طيران خليجية او اجنبية. ومطعم او مقهى بملمسات معولمة. وبين هذا وذاك واجهة لوكالة البسة اجنبية. نعم في سورية بات في بالأمكان فتح مصارف وجامعات ومدارس خاصة، بل صار في الامكان صرف آلاف الدولارات لشراء البسة تحمل اسماء ماركات عالمية. «برادا»، و»شانيل» و»ديور» و»غوتشي»، حتى ماركة «غاب» الممنوعة في دول عربية منفتحة اقتصادياً وفق قانون المقاطعة العربية، وجدت موطىء قدم لها في دمشق. و «كي أف سي»، رمز «الأمركة» موجود في احد أرقى شوارع العاصمة السورية وليس بعيداً عن مقر مكتب المفوضية العامة لمقاطعة البضائع الاسرائيلية.

استيقاظ كيفي

يعيش بعض سكان العاصمة، بطريقة لا تشبه اساليب عيش بقية السوريين. الاستيقاظ كيفي في الصباح. احتساء كوب «نسكافيه» او التوجه الى واحد من المقاهي الحديثة التي باتت منتشرة في الشوارع. من سلسلة «ان هاوس كافيه» إلى سلسلة مقاهي «جيمناي»... والجديد هو افتتاح مقهى «كوستا» بالقرب من «فورسيزنز».

بات بإمكان هذا «البعض» الاختيار من التشكيلة الواسعة من انواع القهوة والمنبهات الصباحية. اذ ان رفوف الـ»سوبرماركت» تمتلىء بأفخر أنواع المأكولات والحاجات المنزلية. وبعدما كان حدثاً قبل سنوات، ان يتوفر الزيت والسكر والمواد التموينية، وبعدما كان حدثا ان يفتتح «ميني ماركت» او دكان، بات سماع خبر افتتاح «شام ستي سنتر» الضخم في حي كفرسوسة امراً طبيعيا. وآخر صرعات الموسم، المبالغة في الاهتمام بالمأكولات الصحية في بلد ألف سكانه السمن العربي والحلويات الشامية واللحوم...

بات الانتقال سهلاً وميسراً من البيت الى المقهى. باصات النقل الداخلي متوافرة. لونها الأبيض يشير أنها قادمة من ايران. والباصات الصغيرة متوافرة بكثرة جنباً الى جنب مع السيارات العامة الصفراء. لكن الجديد هو حضور افخر السيارات مع «البعض». يمكن مشاهدة سيارات قد لا تجدها بكثرة في بلدان المنشأ: «مازراتي» و»هامر» و»لامبورغيني» و»بنتلي»، ناهيك عن «جاغوار» و»مارسيدس» و»بي ام دبليو».

بعد احتساء القهوة يصاحبها قليل من»الدردشة» الالكترونية على الكمبيوتر المحمول والمربوط لاسلكياً بخدمات الانترنت، يمكن لهذا «البعض» قتل الوقت بإجراء اتصالات هاتفية لعقد صفقات سواء في المكتب او عبر الهاتف النقال. لم يعد ضروريا الذهاب الى لبنان لتحويل قيمة المستوردات، بات ممكناً الاستفادة من سبعة مصارف خاصة وصلت قيمة ودائعها الى ثلاثة بلايين دولار اميركي، لعقد الصفقات والتحويلات المصرفية.

عندما يحين وقت الغداء، كما العشاء، هناك قائمة واسعة من الخيارات. مطاعم تركية وهندية ويابانية وصينية ومكسيكية وفرنسية وايطالية في الاحياء الراقية. ووجود المطاعم الشرقية في دمشق القديمة، تحصيل حاصل. ويمكن لـ «البعض» الاختيار من بين مئة مطعم في دمشق القديمة. وللعلم فإن كلفة وجبة عشاء او غداء لأربعة أشخاص، تساوي قيمة راتب شهري لموظف رفيع في القطاع الحكومي. مقهى جديد في دمشق

لابأس بـ «جولة» بعد الغداء للتهضيم. مشوار ليس على القدمين، بل في مقاعد السيارة ووراء مقودها. ومثلما العرس هو حالة اشهار للزواج، فإن «الفتلة» هي حالة إشهار انتقال شخص ما من شريحة الى اخرى... أعلى.

من يتمتع بالهمّة والعمر المناسبين، يمكن له ان يعمل على «تفتيل» عضلاته في احد الاندية الرياضية الحديثة الصالحة في الصيف والشتاء. ومن تمتلك الوقت الكافي تستطيع الأستمتاع بساعات تدليك، او مراجعة عيادة تجميل لتناول الاعشاب الصحية او التهام الابر الصينية، طبعا بعدما تكون خضعت - كما في لبنان - الى مبضع «الطبيب المداوي» في الانف أو الاذنين أو الصدر... أو شفط الوركين أو البطن.

بعد ساعات الاهتمام بالجسد، تأتي ساعات الاهتمام بالملبس قبل مجيء ساعات «جهاد» النفس.

وفر «انفتاح» الاشهر الاخيرة الخيارات جميعها للسوريين. الامور التي كانت محرمة قبل سنوات باتت في متناول الجميع. المفاجأة ان الاحياء القديمة، باتت تستضيف أيضاً بيوتاً لأفخر الماركات. وخير مثال «فيلاّ مودا» الذي احتل ركناً في شارع مدحت باشا الموازي لسوق الحميدية، و»لا فونو» وهو عبارة عن قصر دمشقي قديم تحول بيتا لافخر واغلى انواع الالبسة. ويبلغ سعر الجاكيت النسائي فيه الفي دولار اميركي، بعد حسم قدره خمسون في المئة.

جوهر التناقض موجود هنا. محال الأجبان والموالح جاشمة منذ قرون في هذا الشارع منذ ان اسسه الوالي العثماني مدحت باشا حيث تعرض منتجاتها بقروش وليرات سورية. ودكاكين بيع اللوازم المدرسية تعرض صور زعيم «حزب الله» حسن نصر الله وأعلامه وشعاراته. وفجأة يظهر باب خشبي كبير يخبئ وراءه اسرار علي بابا. لابد من ان يكون الزبون مسلحا بسائق وسيارة فخمة وبطاقة «فيزا» او آلاف الدولارات، كي «تدخل» في احدى مغارات علي بابا.

قهوة صباحية. اتصالات هاتفية. غداء «كوسموبوليتان». البسة اجنبية. وعطورات فرنسية. وقبل هذا وذاك سيارة فارهة. سلة الخيارات واسعة الآن من ملهى «مرمر» في دمشق القديمة الى «اميغوس» في بوابة العاصمة الشمالية. هناك الكثير من الملاهي والحانات في دمشق القديمة والحديثة. ويتم التعرف عليها من رجال الأمن والسائقين التابعين للقطاع الخاص. وما يحصل فيها، مشابه لما يحصل في اي من نظيراتها في العالم. رقص وتحليق في السماء مع دوائر الدخان المتصاعدة، ومن يحب «الاستشراق»، عليه ان ينهي سهرته في الصباح بتناول صحن فول او حمص، في حي الميدان الدمشقي.

«البعض» سيكون قادراً على الذهاب الى جامعته، طالما ان الجامعات الخاصة باتت متوفرة وتدرّس باللغة الانكليزية ورسومها بالدولار. تماماً كما هي الحال مع التدريس ما قبل الجامعي، حيث اقيمت الى جانب المدارس الاميركية والفرنسية والباكستانية المعروفة منذ عقود، مدارس خاصة بمناهج مدارس اجنبية وبرسوم قيمتها عشرات آلاف الدولارات للطالب الواحد.

«لبننة» بعض سورية

لم تعد بيروت مهمة. بالنسبة إلى الكثير من السوريين، الحاجة اليها انتفت. ما كانت توفره بيروت لـ «البعض» باتت دمشق تقدمه بسخاء. اعتاد سوريون الذهاب الى العاصمة اللبنانية في الـ «ويك اند». قهوة في «فردان» وغداء وعشاء، وبين هذا وذاك، ساعات التسوق وصرف الاف الدولارات. كانت مصارف لبنان تجري للسوريين تحويلاتهم المصرفية. يقول احد العارفين بأحوال الشام :»بدلاً من ان تصرف هذه الدولارات في لبنان، باتت تصرف في سورية. الشريحة ذاتها. لم يتغير سوى السوق».

لا خلاف ان الانسحــــاب العسكري من لبنان في نيسان (ابريل) 2005، عجل من «لبننة» سورية و«بيرتة» دمشق في الملبس والمأكل والرائحة والمصروف. ويمكن التعرف على هذا «البعض» من خلال تصفح مجلات «ليالينا» و»ستار» او «وات اذ اون» التي تعكس النشاطات الاجتماعية في دمشق وحلب. ومن كان مهتماً بالثقافة والسياسية، يمكن التعرف إليه عبر مجلة «سيريا تودي» او «فورورد» الشهريتين الناطقتين بالانكليزية يصدرهما فريق تخرج من الجامعة الاميركية في بيروت وجامعات غربية في العالم.

ولم يعد السوري في حاجة لاستراق موجات الاإذاعات اللبنانية، للاستماع الى اخر الاغاني الشرقية والغربية باللغة العربية او الانكليزية، اذ ان الاذاعات التجارية - غير السياسية - متوافرة في اثير دمشق واخواتها.

لكن لاتزال وسائل الاعلام الرسمية المسموعة والمرئية والمقروءة موجودة. تماما كما هي حال المصارف والجامعات والمدارس والمؤسسات الحكومية. وما ان تخرج من هذه الدائرة الصغيرة المغلقة، حتى ترجع الى العقود الخوالي. كأن شيئا لم يكن.

تغيّر لباس التلاميذ من الكاكي الى الوردي. تغير لباس الطلاب الجامعيين. لكن آلافاً مؤلفة لاتزال تتجه كل صباح الى المدارس والجامعات وبأقساط سنوية رمزية. ولايزال ملايين العمال يذهبون الى معاملهم والفلاحين الى مزارعهم والشيوخ الى مساجدهم.

لم تطأ قدم التغيير كل جهات سورية. هناك عالم ارحب واوسع، يختلف عن العالم الضيق لأولئك الذين يزدادون ثراء. وبحسب احصاءات رسمية هناك نحو 11 في المئة من السوريين البالغ عددهم 18 مليوناً تحت خط الفقر وترتفع نسبتهم في بعض المناطق. وهناك نحو 9 في المئة من العاطلين عن العمل، وتشير تقديرات الى ان عددهم يبلغ مليون شخص من اصل اجمالي قوة العاملة، ومعظهم في عمر الشباب.

لايحتاج الامر الى جولة في اعماق الريف السوري، للاصطدام بصورة معاكسة. فمساءات ايام الخميس والجمعة تسجل خروج اآلاف العائلات في سيارات «بيك اب» وسيارات بثلاث عجلات الى حدائق دمشق العمومية وساحاتها واطرافها للتمتع بمشوار عائلي زهيد الكلفة.

ويكاد الريف يحمل صورة منسوخة من هذه المشاهد. هناك عالم اخر غير ما تيسر لـ «البعض» في المدن. سرعة التغيير بطيئة. يذهب الناس الى عملهم والى مدارسهم في سيارات عمومية بسيطة. وعندما يعودون، فإنهم يأكلون في منازلهم. المتعة الوحيدة تكمن في التسمر امام شاشات الفضائيات العربية. من يهتم بالسياسة يتابع البرامج الجدلية. ومن يهتم بالمسلسلات، يستطيع الاختيار من قائمة الوجبات الدرامية. ومن هو في سن المراهقة يستطيع الإبحار بعد منتصف الليل في اثير الشبكات المشفرة.

لكن الواقع لايتغير بالسرعة التي يتغير فيها العالم الافتراضي. الأحلام الآتية من الفضائيات أسرع بكثير من قدرة المجتمع على التحول. يجد بعض الغالبية الحل في الانطواء واليأس. البعض الآخر يجد الحل في اللجوء الى المسجد.. وهناك من يبحث عن نصر. وهذا ما وفره «صمود حزب الله» في الحرب الأخيرة، ما جعل نصر الله زعيماً شعبوياً في مشهد سوري معقد ومتناقض: شريحة تزداد ثراء. انفتاح اقتصادي تدريجي. استثمارات خليجية في السياحة والعقارات. كلام عن تراجع عائدات النفط. عجز عن تلبية الحاجات المتصاعدة. مؤشرات إلى فقر مدقع... وبدايات لتطرّف ديني وقومي.

مصادر
الحياة (المملكة المتحدة)