في اتجاه كان فيه الاقتتال محتدماً ما بين الفلسطينيين ، كأنهم عادوا إلى الحقبة الجاهلية ، حيثُ كان يقتل بعضهم بعضاً ، معظمين للدماء ، مفاخرين بالانتماء إلى القبيلة ( الفصيل ) . بينما كان الفلسطينيون من قبل ُ جماعة واحدة ، رحماء فيما بينهم ، يختصمون أحياناً ، لكنهم لا يتحاربون ، بل كانوا يتآزرون ويتعاونون إذاما أحدق فيهم خطر داهم . حرية الرأي والتعبير ، وحقّ ممارسة كافة أشكال النضال كانت مكفولة لكلّ فصيل فلسطيني بحكم ما تأصل من حياة سياسية مشتركة ، و مسؤولية وطنية ، و ديمقراطية في ظلّ البنادق ، وبحكم ما أكدوه من رفض لما هو محرم من آثام تناحريه تصل إلى حدّ إهدار الدم العزيز والغالي . الساحة الفلسطينية واسعة ورحبة لكن لا ترضى أن يتناطح بها عنزان .

في اتجاه موازٍ ، عقدت المجموعة الرباعية يوم الجمعة 2 / 2 / 2007 في مقر وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن ، اجتماعاً بطلبٍ ملحٍ من وزيرة الخارجية الأمريكية ، وصفته التصريحات المواكبة له بالمهم ، وأسبغت عليه صفة القوة ، كما عبر عن ذلك ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في الشرق الأوسط (تيري رود لارسن ) ، الذي قال " انّه اجتماع يتسم بالقوة لأنّه يحتوي على مبادرة أمريكية قوية ، وقد يتخطى حدود التصريحات والبيانات إلى مواقف عملية على الأرض .

المؤتمر الصحفي الذي انعقد إثر الاجتماع الموصوف بالقوة ، قفزت فيه أجوبة رايس سريعة أمام الصحفيين ، وبدت وهي عاكفة شعرها الأسود فوق جبينها إلى الأمام ، وشفتاها مطليتان بأحمر الشفاه كحية لكوبرا ، فحقّ عليها اسم ( كوبرا ليزا رايس ) بدلاً من كوندي ليزا رايس . رغم أنّها أفعمت الأجواء المحيطة بالاجتماع الرباعي بما يوحي بأنّ الإدارة الأمريكية عازمة على البحث عن مبادرة أمريكية جديدة لتحريك عملية السلام ، والتسريع بتنفيذ خارطة الطريق ، إلا أنها لم تقبل برفع الحصار الظالم عن الشعب الفلسطيني ، ولم تقبل بتقييد الحركة السياسية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي بجداول زمنية ، فالجداول الزمنية على حدّ رأيها مصطنعة !

أسرعت إدارة بوش ، كما بدا للجميع ، إلى لمّ شمل المجموعة الرباعية ، وإعادة ضخّ الدماء في عروقها ، لأنّها باتت تدرك الأهمية الخطيرة للوضع الدولي الجديد الذي أفرز على أرض الواقع جملة من الحقائق الجديدة ، وهي الحقائق التي تكونت متسارعة بسبب النتائج المذهلة التي حققتها المقاومة العراقية البطلة في أرض الرافدين ، وبسبب حجم الهزائم التي لحق بالقوات الأمريكية في العراق . ومما لا شكّ فيه أنّ مؤسسات الأبحاث والدراسات ذات العلاقة بمركز صنع القرارات الإستراتيجية في الولايات المتحدة الأمريكية ، قد التقطت الإشارات السياسية التي بعثها الإتحاد الأوروبي إلى مختلف الأطراف المعنية في الصراع في الشرق الأوسط ، وسعيه ليكون في موقع الشراكة في صنع القرارات التي تتعلق بالنزاعات القائمة ، على قدم المساواة مع الإدارة الأمريكية .

ما يمكن استنتاجه من مجمل الحركة السياسية الأمريكية المحمومة ، أن الإدارة الأمريكية معنية بتحقيق اختراق سياسي محدود على الجبهة الفلسطينية الإسرائيلية قد يساهم ، برغم محدوديته ، في إرضاء الدول العربية المعتدلة ، ويعطيها المبررات الضرورية ، أمام شعوبها ، للاصطفاف إلى جانب جورج بوش وإدارته في التجاذبات المشتعلة مع إيران ، ممّا قد يؤثر إيجابياً في الوجود الأمريكي في العراق ، ويحسن الظروف المحيطة به ، إذ أنّ الظروف الإسرائيلية مؤاتية بسبب حالة الضعف التي تعاني منها الحكومة الإسرائيلية نتيجة تداعيات هزيمة حرب تموز عليها ،العام الماضي في لبنان ، ومن جانب آخر ، بسبب حالة الضعف التي تعاني منها السلطة الفلسطينية نتيجة الخلافات الداخلية التي وصلت إلى حدّ إراقة الدماء في الشوارع الفلسطينية .

إن الاختراق المزمع تحقيقه على الجبهة الفلسطينية الإسرائيلية ، والذي سيأتي ثمرة جملة لقاءات ومشاورات ومحادثات واتفاقيات ومهرجانات وبهرجات إعلامية ، قد تمتد إلى ما قبل الانتخابات الأمريكية القادمة ، كمحاولة من إدارة جورج بوش لتعويض بعض الخسائر التي مني بها الحزب الجمهوري الأمريكي نتيجة سياسته الحمقاء ، هو اتفاق على قيام دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة ، وهي الحدود القائمة ، في الواقع ، الممثلة بالجدار العنصري الذي بات أمراً واقعاً كما يقدر الإسرائيليون ، وبما يتضمن المناطق الفلسطينية ( أ + ب ) وفقاً لاتفاقية أوسلو ، أو خارطة الطريق !

بالنسبة للإدارة الأمريكية ، ليس مهماً مَن الذي يرأس الحكومة الفلسطينية ، سواء كان من فتح أم من حماس ، بل المهم لها إيجاد الجهة الفلسطينية التي توافق على الخطوط العريضة التي حددتها رايس في ختام اجتماع المجموعة الرباعية ن في واشنطن ، وهي أنّه يجب على الطرف الفلسطيني الاعتراف بإسرائيل ، ونبذ الإرهاب ، والاعتراف بالاتفاقيات الموقعة التي أبرمت في السابق .

في اللقاء الأخير الذي جمعه مع رايس قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس " أنّنا أبلغنا الجانب الأمريكي والأوروبي بأننا لا نقبل بدولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة " جاء كلام عباس في مؤتمر صحفي في رام الله إلى جانب رايس ، وهو موقف سياسي لا لبس فيه ، ولا غبار علية ، وكما يعتقد الجميع ، فإن حركة حماس من الصعب أن تقبل بدولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة أيضاً . فعلام يتقاتل الأخوة ؟

مصادر
سورية الغد (دمشق)