النهار / رنده حيدر

سعى موشيه كاتساف رئيس الدولة العبرية في خطابه الأخير الذي وجهه الى الأمة دفاعاً عن سمعته واسمه في وجه الاتهامات الموجهة اليه بالاغتصاب والتحرش الجنسي الى الدفاع عن كرامته الجريحة وشرفه المهان بتصوير نفسه ضحية وسائل الاعلام الفضائحية والشرطة الفاسدة والاجهزة القضائية العنصرية، وكال سيلاً من الاتهامات لكل أجهزة الدولة، متهماً اياها بالتحريض عليه لكونه اول رئيس من اصل شرقي يصل الى اعلى الهرم في مؤسسات الدولة اليهودية العنصرية. وعوضاً من ان يحظى الرئيس بالتعاطف والتفهم أثار رد فعل غاضبا وعنيفا لدى غالبية الاسرائيليين الذين رأوا ربما لأول مرة وجهاً لم يعرفوه من قبل لمن يشغل منصب رئاسة الدولة منذ أكثر من ستة اعوام. تكاد الفضيحة الثانية التي أثارها خطاب كاتساف الدفاعي الاتهامي الاخير تتخطى الفضيحة الاساسية بالتحرش الجنسي. فالرئيس الغاضب خلع كل الاقنعة ليفتح النار، برأي المعلقين الاسرائيليين، على كل ما يمت بصلة الى القيم اليهودية مثيراً النوازع الطائفية والمشاعر العنصرية الدفينة التي تنخر المجتمع الاسرائيلي وتقسمه بين هويتين أثنيتين: أشكينازية – غربية الهوى تعتبر نفسها صاحبة الفضل في قيام دولة اليهود وهي التي وضعت أسس الحكم والمؤسسات وسيطرت عليها حتى انقلاب 1977 الذي حمل الليكود الى السلطة، وأخرى شرقية تحصّلت بصورة خاصة من الهجرة الثانية الى اسرائيل تلك الآتية من دول العالم العربي والاسلامي. شكل هؤلاء نوعاً من "اسرائيل ثانية" ذات هوية شرقية مختلفة ما لبثت ان خلقت لدى الشرقيين، الذين شعروا ان الدولة تعمل على تهميشهم وتعاملهم بعنصرية، نوعاً من الشعور بالدونية وعقدة النقص تجاه طبقة الاشكيناز من الرواد الاوائل الذين تعاملوا بتعال واستخفاف مع اليهود الشرقيين واعتبروهم أقل قدرة منهم. اراد كاتساف ان يفجر من جديد هذه العقدة الطائفية، وفي الوقت عينه فتح النار على أكثر من طرف مثيراً مسألة الفساد في الشرطة والجهاز القضائي ووسائل الاعلام. ولكنه باطلاقه النار على هؤلاء أطلق ايضاً الرصاصة الاخيرة على ما تبقى له من صدقية في نظر من كان ربما يعتقد ان رئيسه يتعرض لحملة مغرضة ومنظمة. فاذا كان من الممكن التغاضي عن صورة "زير النساء" التي برز فيها كاتساف بعد سلسلة الاتهامات الموجهة اليه، كيف يعقل بالنسبة الى الاسرائيليين القبول برئيس من المفترض أنه يمثل كل ما ترمز اليه الحياة السياسية من احترام لقوانين الدولة ومؤسساتها وهو يعري كل هذه المؤسسات ويوجه اليها الاتهامات ويطالب بالثورة عليها والتمرد وحتى الحرب الأهلية؟ ويقول هؤلاء ان كاتساف لم يقم وزناً لأي شيء آخر غير الدفاع عن شخصه والتمسك بحصانته من اجل النضال حتى اللحظة الأخيرة عن منصبه، وبسلوكه هذا كتب أكثر فصول الحياة السياسية الاسرائيلية سواداً واثارة للخزي والعار في تاريخ رئاسة الدولة العبرية. "بطريقة مخزية ومشينة" أنهى كاتساف حياته السياسية التي كانت حتى وقت قريب "حكاية ناجحة". كيف لا وهو الذي دخل الكنيست في الثالثة والثلاثين من العمر، وبقي عضواً فيه عن حزب الليكود حتى انتخابه رئيساً للدولة بعد احتلاله عدداً من الوزارات المهمة، الى أن انتخب عام 2000 رئيساً لاسرائيل. واليوم هناك من يقول إن صيت كاتساف ومغامراته النسائية كانا يلاحقانه حتى قبل انتخابه رئيساً للدولة لكن هذا لم يمنع وصوله الى أعلى منصب رمزي في اسرائيل. وربما لو تجرأت بعض النساء اللواتي كن من ضحايا مطارداته عندما كان وزيراً على الكلام لما جرى ما جرى. والأمر الأكيد اليوم أن كاتساف ليس نموذجاً استثنائياً داخل مؤسسات الحكم الاسرائيلية ولكن الضجة التي أثارها عند اتهامه التحرش الجنسي وسلوكه اثناء التحقيق معه انتهاء بالموقف الذي وقفه اخيراً كل ذلك كما يرى الرأي العام الاسرائيلي مؤشر على التراجع الكبير الذي طرأ على القيم والمثل الاسرائيلية السابقة لمصلحة الفساد وحب للمال والانجراف نحو استغلال المركز الرسمي للمآرب الشخصية، ودليل آخر على سيطرة انماط من السلوك الفرداني والانانية التي تتحكم بها النوازع الضيقة. ويبقى السؤال معلقا في اسرائيل هل كان من الممكن للحياة السياسية ان تتجنب فضيحة كاتساف لو تجرأت احدى ضحاياه وقامت بفضحه قبل ستة اعوام؟