التوتر المستجد في العلاقات السورية - العراقية بعد محاولات التقارب قد يؤشر لدخول الوضع الاقليمي لسوريا منعطفا جديدا ان لم تكن هذه العلاقات محوره الحقيقي فانه، على الاقل الان، يوحي بجعل العراق صندوق بريد.

فبعد اعادة العلاقات بين البلدين واعلان حكومة نور الدين المالكي انها ستستضيف في بغداد مؤتمرا لدول الجوار يبحث في أمن العراق، وبعد الزيارة "الناجحة جداً" للرئيس العراقي جلال طالباني لسوريا منتصف كانون الثاني، انقلبت الامور: في 20 كانون الثاني غيّرت السلطات السورية سياستها حيال اللاجئين العراقيين فقلصت مدة اقامتهم من ثلاثة أشهر قابلة للتجديد الى اسبوعين قابلة للتجديد مرة واحدة وفقط بعد خروج اللاجئ شهراً قبل تقديم طلب جديد. اتهمتها حكومة المالكي عمليا بالتضييق على اللاجئين "وتأمين المأوى للارهابيين".

التفسير السوري الرسمي للاجراءات ان 800 الف لاجئ عراقي يشكلون ضغوطا اقتصادية واجتماعية هائلة على السوريين ولا بد من تنظيم وضعهم. ولكن في السياسة هناك حدان لهذه الخطوة: حد الضغط على العراق وتاليا على الاميركيين وحد الاستجابة لطلب أميركا بضبط الحدود.

في الاول من شباط استقبل الرئيس بشارالاسد رئيس "هيئة علماء المسلمين" في العراق حارث الضاري الذي اصدرت حكومة المالكي مذكرة توقيف في حقه في تشرين الثاني الماضي بتهمة تغذية الفتنة السنية - الشيعية. في الثالث من شباط وبعد طن المتفجرات في سوق الصدرية في بغداد، قال الناطق باسم الحكومة: "اؤكد ان خمسين في المئة من هذا القتل ومن هذا التفخيخ ومن هؤلاء العرب التكفيريين يأتون من سوريا" و"لدينا ما يثبت ذلك واثبتناه لاخواننا السوريين".

في السادس من شباط شن المالكي هجوما على سوريا من غير ان يسميها وحذر من "اننا لن نسكت الى ما لا نهاية عن الذين يتدخلون في شؤوننا ويدعمون الارهاب" ولم يستغرب ان "يخاف هؤلاء امتداد الحرية والديموقراطية لانهم استنساخ من الديكتاتورية التي كانت تحكم العراق".

ولكن لعل في تصريحات الاسد لشبكة "اي بي سي" التلفزيونية الاميركية في الخامس من شباط ما يضيء على بعض جوانب هذا التوتر. قال ان ادارة بوش لا تملك الارادة ولا الرؤية لاحلال السلام في العراق. والاهم من هذا: "نحن لسنا اللاعب الوحيد. لكننا اللاعب الاساسي ودورنا سيكون من خلال دعم الحوار بين الاطراف المختلفين في العراق بدعم من الاطراف الاخرين مثل الاميركيين وأي دولة اخرى في العالم. هذه هي الطريقة التي نستطيع من خلالها ان نوقف العنف". وحذر من انه "من دون جهود دمشق فان الفوضى في العراق ستمتد الى سوريا وغيرها من الدول" وستشمل كل المنطقة.

الواقع ان هذه التطورات تفتح باباً واسعاً للتساؤلات: هل هناك حملة ضغوط جديدة تشنها ادارة بوش على سوريا عبر حكومة المالكي يرد عليها الاسد أم ان سوريا تشعر بخطر اشتداد عزلتها الاميركية فتتحرك في العراق ويقول الاسد ما قاله لاغراء واشنطن لفتح حوار معه؟

هل هي العزلة العربية وخصوصا السعودية لسوريا ما يزيد قلقها (وكان ذهاب خالد مشعل الى مكة مبادرة حسن نية)؟ هل ان التباين السوري - الايراني في اولويات المصالح وأوراق الضغط يتسع وخصوصا مع استمرار المحادثات السعودية - الايرانية التي يصعب ان تكون واشنطن بعيدة عنها؟ هل تشعر سوريا أن الحركة الواسعة المعلنة وغير المعلنة في المنطقة قد تؤدي الى تفاهمات تتخطاها؟

قد تكون الاجابة في بعض هذه التساؤلات، والارجح فيها مجتمعة، لكن ضبابية المرحلة لا تسمح بأكثر من التساؤلات والانتظار.

مصادر
النهار (لبنان)