النهار / سركيس نعوم

اثار الحديث الاميركي في الاسابيع الاخيرة عن استهداف "حزب الله" قيادة وافراداً ردود فعل سلبية واسعة في الاوساط اللبنانية على تنوعها كما في عدد من الاوساط الاقليمية. ورغم انه جعل القلق يتسرب الى نفوس اللبنانيين الذين يتمنون ان تنتهي ازمتهم الحالية ولا ان تضاف اليها ازمة جديدة قد تكون اشد وادهى فإنه في الوقت نفسه افاد "المعارضة الوطنية اللبنانية" التي يقودها الحزب المذكور ذلك انه اعطاها حجة تدافع بها عن نفسها في الصراع الدائر مع الغالبية السياسية والحكومية وتظهر بواسطتها صحة اتهاماتها لاميركا والغرب باستهداف لبنان ومقاومته الاسلامية وبالتواطؤ مع جهات لبنانية كثيرة بغية تحقيق هذا الهدف. هل يعني الكلام المشار اليه اعلاه قرارا اميركياً رسمياً باستهداف "حزب الله" في لبنان وتحديداً بتوجيه ضربة عسكرية اليه؟ متابعون اميركيون لمواقف ادارة الرئيس جورج بوش عن قرب ومعها القضايا الشائكة في لبنان ومنطقة الشرق الاوسط يجزمون بان هذه الادارة لم تتخذ اي قرار بالقضاء على "حزب الله" او على قيادات اساسية فيه. لكن الموجودين منهم في العراق ويعملون سواء منفردين او بالتعاون مع جهات معادية واخرى اقليمية ضد قوات التحالف (اي الاحتلال) ومؤسسات الدولة العراقية الوليدة وفئات معينة من الشعب العراقي، لكن هؤلاء سيعاملون من القوات الاميركية وحلفائها بالطريقة نفسها التي يعامل بها الارهابيون والمتمردون. ذلك انهم صاروا في التقويم الاميركي مساوين لاعضاء تنظيم "القاعدة" ولاسيما لجهة التهديد الكبير الذي صاروا يمثلونه للعراق ومحاولات اعادة الهدوء اليه. وانطلاقا من ذلك اعطي المسؤولون في الاجهزة والادارات الاميركية المتنوعة الضوء الاخضر لتكثيف عمليات الاستخبار والاستعلام عن جماعات "حزب الله" اللبناني العاملة في العراق وذلك بغية معرفة مزيد من المعلومات عن مراكزه واماكن وجوده وتكتيكاته وقياداته وبرامجه العملية. وانطلاقا من ذلك ايضا بدأ المعنيون في القوات الاميركية والاجهزة وضع خطط لمواجهة الجماعات المذكورة وخصوصا اذا قرر الرئيس بوش توجيه ضربة عسكرية كبيرة الى ايران وتحديدا لدى بدء تنفيذ هذا القرار. والدافع الى ذلك هو اقتناع المسؤولين السياسيين والعسكريين والاميركيين ان "حزب الله" اللبناني الموجود في العراق سيتحرك دفاعا عن ايران فور وقوع الضربة وذلك بملاحقة العسكر الاميركي وغير الاميركي وربما المدنيين الاميركيين والاجانب العاملين في العراق. باستثناء هذه الحالة، يؤكد مرة ثانية المتابعون الاميركيون انفسهم ان لا خطط عسكرية تعدّ ضد "حزب الله" خارج العراق الا اذا بادر هو ومن لبنان الى الرد؟ هل يعني ذلك ان الضربة الجوية الاميركية لايران صارت واضحة وان قرار القيام بها قد اتخذه الرئيس جورج بوش؟ يبدو واضحا جدا لكل متابع للملف الاميركي – الايراني ان واشنطن وطهران بدأتا الاتجاه نحو الاشتباك او الصدام العسكري (الجوي والصاروخي) ويبدو واضحا ايضا ان هذا الصدام سيحصل خلال ما تبقى من الولاية الرئاسية الثانية لجورج بوش. وما لم يغير هذا الاخير رأيه في الموضوع الايراني فان موعد الاشتباك قد يكون اقرب بكثير مما يتصور كثيرون من واشنطن وغيرها من العواصم الدولية والاقليمية. والاتكال لمنع هذا العمل العسكري على الكونغرس الاميركي الذي صارت غالبيته معارضة لبوش لم يعد في محله كثيرا في رأي المتابعين الاميركيين انفسهم. فهذه الغالبية تطالب ومعها بعض الاقلية ليس بالامتناع عن ضرب ايران بل بامتلاك اثباتات حقيقية "تقنع" كل الناس وخصوصا "المشككين" بأن ايران صارت قاب قوسين او ادنى من امتلاك سلاح نووي وبانها مسؤولة مباشرة عن مقتل مئات وربما اكثر من الجنود الاميركيين في العراق وتعطيل خطط اميركا في العراق وكذلك مسيرة بناء الدولة. ذلك ان الاثباتات التي اعطيت للكونغرس للحصول على موافقته على غزو العراق كانت في غالبيتها ضعيفة او جزئية او مركبة وهي التي افقدت اميركا دعم العالم والمنطقة وربما دعم العراقيين انفسهم. وهذه الغالبية ومعها بعض الاقلية تعرف ان القادة الكبار في الجيش الاميركي لم يعودوا قادرين على احتمال التدخل الايراني في العراق وصاروا ميالين الى السعي وراء ايران مباشرة او داخل العراق. انطلاقا من ذلك كله، يقول المتابعون انفسهم ان المعنيين في الادارة الاميركية يقومون حاليا بكل الاستعدادات للمواجهة مع ايران وان ملفا بالموضوع الايراني يجري اعداده وتضمينه بكل الوثائق و"الحقائق" اللازمة. ويقولون ايضا ان هذا الملف قد يسرب عمدا وعلى نحو سري الى ايران قبل تنفيذ الضربة لمعرفة رد فعلها عليه وامكان تجاوبها مع عدد من المطالب الاميركية سلماً. فاذا كان رد الفعل سلبيا فان الملف قد يوضع في متناول كل الناس كما انه قد يرسل الى مجلس الامن بغية حضه على اصدار قرار قاس جدا حيال ايران ولاسيما بعد تهربها وبشيء من النجاح من تنفيذ قرارات اصدرها في شأن ملفها النووي وطبعا لا بد ان تعقب ذلك ضربة عسكرية لايران.

هل تتجاوب ايران بحيث تتلافى الضربة العسكرية؟ تدرك ايران بحسب المتابعين الاميركيين انفسهم مقدار الاذى الذي ستتعرض له بسبب عدم التجاوب وتاليا الضربة العسكرية. لكنها لا تبدو راغبة في تغيير نهجها وسياستها او على الاقل في الاتجاه نحو الاعتدال. فالضربة قد تعيدها الى الوراء بضع سنوات وقد تعرقل تقدمها النووي لفترة من الزمن لكنها ستحصل في مقابل ذلك على دعم الشارع في ايران والشارع العربي والشوارع في كل العالم الاسلامي وسيمكنها ذلك من مواصلة التعرض لاميركا وحلفائها في الخليج وربما في العالم. لكن ما لا يقدره الايرانيون يلفت المتابعون انفسهم، هو انه لدى بدء الضربة العسكرية لا يعود في امكان احد معرفة كيف ستنتهي ومتى، فضلا عن ان وقوف "الشوارع" مع ايران سيقابله "سعادة" الانظمة لهذه الضربة ووقوفها مباشرة او مداورة مع منفذها الاميركي ومن شأن ذلك تخفيف "الدعم الشوارعي" لايران.