الوطن القطرية / توماس فريدمان

من الصعب على المرء أن يعرف على وجه اليقين ما هو الأكثر إزعاجاً: حوادث القتل الطائفي البربرية التي يرتكبها السُّنة والشيعة في العراق أم الصمت الرهيب الذي تقابل به أنباء حوادث القتل الجماعي هذه في العالم الإسلامي؟ وكيف لا تندلع الاحتجاجات بسبب أنباء القتل الجماعي الطائفي البشع في العراق الذي يرتكبه مسلمون ضد مسلمين؟ وأين المعادل الإسلامي لمارتن لوثر كنج؟ ثم أين المسيرات الإسلامية المليونية التي كانت تجوب الشوارع تحت شعار «لا سُنة ولا شيعة فنحن كلنا أتباع النبي محمد»؟

أستطيع فهم السبب المنطقي لغياب الاحتجاجات عندما يكون المسلمون هم الذين يقتلون الأميركيين في العراق، حيث ينظر إلينا الكثيرون على أننا محتلون، ولكني لا أستطيع بحال فهم كيف يمكن لحادث القتل الجماعي لـ70 طالباً من طلاب الجامعة المستنصرية في العراق. أو كيف يمكن لحوادث القتل الطائفي اليومي في العراق التي لا يقل ضحاياها عن 100 قتيل ألا تؤدي سوى لرد فعل محدود في العالم الإسلامي على النحو الذي نراه؟

إنني أطرح هذه الأسئلة لأن الأمل الوحيد الباقي للعراق -إذا ما كان لا يزال هناك أمل- لا يتوقف على الاستراتيجية الأميركية المضادة للمقاومة -على الرغم من أهميتها- لأن تلك الاستراتيجية لن تكون كافية بمفردها، إذا لم ترافقها استراتيجية إسلامية مماثلة لمحاربة العدمية، تعمل أول ما تعمل على تحريم قتل المسلمين على أيدي مسلمين. من دون ذلك لن يكون هناك أمل لعملية سياسية لائقة في هذا البلد. الأمر يتطلب تعاون الجميع في العالم الإسلامي من أجل تحقيق ذلك، ولكن العالم الإسلامي للأسف أصبح يلتزم الصمت العميق، فهو على ما يبدو، لا يكون لديه صوت معنوي عندما يتعلق الأمر به.

في هذا السياق قال لي «حسين حقاني» مدير مركز العلاقات الدولية بجامعة بوسطن والباكستاني المولد «إن القرآن الكريم يصف النبي محمد بأنه نبي الرحمة» و«إن المسلمين يبدأون كافة أعمالهم بالقول: بسم الله الرحمن الرحيم»، وهناك آية في القرآن تقول «لكم دينكم ولي دين»، بيد أن الشيء الذي يدعو للأسى في الحقيقة هو أن تلك الأفكار التي تدور حول الرحمة وتحقيق السلام قد ضاعت في سياق الخطاب السائد اليوم في العالم الإسلامي، والذي يدور في معظمه حول استعادة المجد الضائع والانتقام للمظالم التي ارتكبها الغرب في حقهم إبان عصور السيطرة الاستعمارية.

وعندما سألت سعد الدين إبراهيم، الناشط السياسي المصري، عن سبب عدم ظهور معادل إسلامي لمارتن لوثر كنج قال لي «لكي يظهر لدينا مارتن لوثر كنج مسلم فإن الأمر يستدعي في المقام الأول أن يتحول تركيز الخطاب الإسلامي ويبتعد عن الحديث عن القوة والمجد الضائع، ويتركز بدلاً من ذلك على ضرورة أن نقوم كمجتمع إسلامي بتحمل مسؤوليتنا عن أوضاعنا» وأضاف إبراهيم «فضلاً عن ذلك.. فإن ظهور مارتن لوثر كنج يتطلب في المقام الأول مساحة حرة».

إن الأنظمة العربية تريد من أميركا أن تعتقد أنه ليس أمامها في العالم العربي سوى خيارين لا ثالث لهما: إما الأنظمة وإما الإسلاميون فلا يكون أمامها سوى اختيار الأنظمة.

وهذا سبب من الأسباب التي تدعو سعد الدين إبراهيم لأن يأمل في تبني الإسلاميين لأجندة ديمقراطية لأنهم قادرون على نقل تلك الأجندة إلى الجماهير. وأكثر الزعماء الإسلاميين شعبية في الوقت الراهن كما يرى إبراهيم، هو «حسن نصر الله» زعيم «حزب الله» اللبناني.

وهناك الكثير من الأشياء المعرضة للخطر في الوقت الراهن.. فالعراق -على سبيل المثال- لو قدر له أن يتفكك تحت وطأة العدمية الانتحارية التي يتبناها مسلمون، فإن ذلك سيشكل وصمة عار على تاريخنا بأسره نحن الأميركيين لأننا نحن الذين فتحنا «صندوق الشرور» في هذا البلد. وكما سيشكل ذلك وصمة عار على تاريخنا، فإنه سيمثل أيضاً وباءً يؤثر على مستقبل العالم الإسلامي بأسره.

وإذا كان العرب المسلمون قادرين على استدعاء الإرادة للاحتجاج على «إهانات» الغربيين فقط.. ولكنهم لا يستدعونها أبداً للاحتجاج على الأذى الذي يلحقونه هم بأنفسهم، فكيف يمكن لهم بأي حال من الأحوال أن يبنوا مجتمعاً حديثاً أو ديمقراطية، خصوصاً أن بناء المجتمع الحديث والديمقراطية يعني في المقام الأول احترام وحماية أصوات الأقليات وأصوات الشرائح التي تتبنى آراء غير تقليدية في المجتمع؟

وإذا ما كان السُّنة والشيعة غير قادرين أبداً على صوغ عقد اجتماعي يمكنهم من خلاله أن يحكموا أنفسهم، وإذا ما كانوا سيظلون بحاجة دائمة إلى ديكتاتور ذي قبضة حديدية، فإن الحكومة اللائقة ستظل تراوغهم للأبد.

والشاعر السوري الصريح إلى درجة جارحة علي أحمد سعيد المشهور بـ «أدونيس» كان قد أجرى لقاء مع تليفزيون دبي في الحادي عشر من مارس 2006 من محل إقامته في باريس حذر فيه من الأشياء المعرضة للخطر حيث قال «الفرد العربي ليس أقل ذكاء ولا عبقرية من أي فرد في أي مكان آخر في العالم، وهو قادر على التفوق ليس في وطنه وإنما خارجه. وإذا ما نظرت إلى العرب بكل ما يملكونه من ثروة، وبكل ما يمتلكونه من قدرات، وقارنت ما حققوه خلال القرن الماضي بما حققه غيرهم في نفس الفترة فإنه سيتعين عليَّ في هذه الحالة أن أقول إننا نحن العرب قد دخلنا طور الخمود بمعنى أنه لم يعد لدينا وجود خلاق في هذا العالم. فالشعب يمكن أن يكون له وجود كمي وكتل جماهيرية، ولكنه يظل خامداً مع ذلك لأنه يكون قد افتقد القدرة على الإبداع وعلى تغيير العالم».