النهار / سركيس نعوم

بعد اسبوع ستحل الذكرى الثانية لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري على ايدي حفنة من القتلة المأجورين الذين قد يبقون مجهولين لان هناك جهات عدة محلية واقليمية ودولية تريدهم ان يبقوا كذلك لاسباب كثيرة متنوعة. والى حين موعد الذكرى ستغرق الصحف بل وسائل الاعلام كلها على تنوعها وتناقضها بالمواقف والاخبار والتحليلات والتحقيقات اولاً عن شخصية الشهيد وطموحاته للبنان. وثانياً عن انجازاته مذ بدأ تعاطيه الشأن العام في البلاد عام 1983 ثم توليه السلطة أواخر عام 1992. وثالثاً عن الآثار السلبية لتغييبه عن ساحة العمل السياسي والوطني والقومي في لبنان. طبعا لن يتحدث احد في مناسبة كهذه عن اخفاقات الشهيد واخطاء ارتكبها او دفع الى ارتكابها في اثناء قيادته مسيرة اعادة بناء لبنان وطنياً واقتصادياً وانمائياً واستعادته حريته واستقلاله ونظامه الديموقراطي، رغم انها موجودة. وأحد ابرز اسباب ذلك ان الانجازات تفوق الاخطاء والاخفاقات بما لا يقاس، وان الاساس هو النية ونية الشهيد الحريري كانت صادقة. واخيراً ان اللبنانيين، رغم اختلافاتهم، يظلون حرصاء في مواقف كهذه على تذكّر "حسنات موتاهم" فكيف بشهدائهم الابرار. في هذه المناسبة لا اريد ان اخوض في تقويم علمي وموضوعي وتأريخي لمسيرة الرئيس رفيق الحريري، ولا استطيع ذلك ناهيك بان المجال هنا لا يتسع لذلك. بل اريد ان اسلط الضوء على موضوع بل على رهان اقدم عليه الرئيس الشهيد منذ بدء تعاطيه الشأن العام في لبنان، واستمر مؤمناً به حتى اغتياله في 14 شباط 2005 رغم الخيبات الكثيرة التي واجه بسببه. وتحديدا اريد ان اتساءل مع الرأي العام والقراء اذا كان هذا الرهان في محله. الرهان كان على شباب لبنان المتنوعي الانتماء الطائفي والمذهبي، وعلى دورهم بعد تسلحهم بالعلم في وقف الحرب او الحروب التي كانت تعصف بوطنهم، كذلك في منع تجددها. ومن اجله مكن الحريري آلافاً من طلاب لبنان، أي شبابه، من تلقي افضل العلم ومتابعة افضل الاختصاصات في افضل الجامعات في لبنان والعالم. لكن الشهيد الحريري لم يكن وحده صاحب رهان مميز على شباب لبنان، بل كانت هناك شخصية اخرى شابة آمنت بالشباب وحاولت من خلال المؤسسة التي تملكها عائلته ورصيدها الوطني واللاطائفي العريق الذي حققته بالممارسة اليومية على مدى عقود، حض الاجيال الجديدة على التصدي للهم العام والمسؤوليات والانطلاق من التجارب الفاشلة وطنياً ومجتمعياً لعائلاتهم وأهاليهم للمساهمة جدياً في قيادة الوطن نحو مستقبل منيع لا مكان فيه لامتيازات فردية وفئوية ولأرجحيات طائفية ومذهبية، ولا لولاءات تتجاوز الوطن. هذه الشخصية كانت جبران تويني الذي استشهد بدوره بعد اشهر من استشهاد الرئيس الحريري. وهاتان الشخصيتان، على اختلافاتهما الشكلية والجوهرية، كانتا تشتركان في امرين مهمين. الاول، التفاؤل في مستقبل لبنان والايمان بان الحرب الاهلية او الفتن على تنوع اسبابها لن تعود الى هذا الوطن الصغير والجميل. والثاني، الثقة التامة بان شباب لبنان هم الذين سيكونون الدرع الحامية والسد الذي يمنع الطوفانات الطائفية والمذهبية والفريق الذي سيحقق فعلا وحدة "الشعوب" اللبنانية وعيشها المشترك رغم تاريخها العريق في التقاتل. هل كان رهان الشهيدين الحريري وتويني في محله، علما انه رهان كل المخلصين للوطن من شهداء وشهداء احياء واحياء؟ التجربة، ويا للاسف، بعدما غيبا بالقتل وحتى عندما كانا بيننا ومع شبابهما لا تبدو مشجعة. فقبل استشهادهما كانت الجامعات والمدارس والساحات وكل اماكن التلاقي بين الشباب مسرحاً لصراعات ومنافسات وخصومات كثيرة. ولم يتم التعبير عن ذلك في حينه بـ"الحرب المكشوفة"، سواء السياسية او الشارعية بكل مستلزماتها لان الظروف الداخلية كانت مختلفة وكذلك الاقليمية، اي لان الاستحقاقات لم تكن واضحة لدى اطراف الصراع في الداخل والخارج الامر الذي سيسمح لدعاة تولي الشباب دورهم، بصرف النظر عن عقائدهم الدينية والمذهبية والسياسية والعشائرية والحزبية، بالتحرك وقد اعطاهم ذلك أملاً (واهماً ربما) بان النجاح ممكن، بل اكيد. اما بعد استشهاد الاول اي الحريري، ثم الثاني فضلاً عن سائر الشهداء، فان منظر الشباب واصطفافاتهم المتنوعة تدمي قلوب الاحياء، وكذلك قلوب الشهيدين ورفاقهما في عليائهم. فالطوائف والمذاهب والتيارات والاحزاب واصحاب المصالح من الخارجين الاقليمي والدولي اجتذب كل منها شبابه وذلك في اثناء استعداده لمواجهة الآخرين، سواء بالوسائل الديموقراطية اسماً، او بالعنف المتنوع فعلاً، ولاحقاً بالحروب. وما يشهده اللبنانيون منذ اشهر قليلة من تظاهرات واعتصامات طغى عليها العنصر الشبابي، ولاحقا ما شاهدوه على شاشات التلفزة يومي 23 و25 كانون الثاني الماضي يدفع الى اليأس. فشباب لبنان امل الوطن صاروا في معظمهم وقود الصراعات المحتدمة فيه وعليه، وسيكونون قريباً المقاتلين فيها اذا تحولت حربا اهلية او حروبا اهلية وفتناً لا سمح الله. طبعا انا لا الوم الشباب. ذلك ان اللوم الاكبر يقع على "اهاليهم" وقادتهم الذين لم يتعلموا من الحروب الماضية وما اعقبها وعجزوا، او بالاحرى لم يشاؤوا، بناء دولة لكل اللبنانيين وكان لبيئاتهم المريضة - وعذراً لهذا الوصف - دور في نقل المرض الى الاجيال الجديدة. واذا كان "الاهالي" انفتحوا في السابق على محاولات وقف الحروب لانه كانت لهم تجربة تعايش مشترك مع الآخرين ومن دون وصاية خارجية، فان ابناءهم قد لا يمارسون الانفتاح نفسه لانهم لم يعيشوا هذه التجربة الامر الذي قد يدفعهم الى الآخر في الصراعات الدائرة، وخصوصا اذا تحولت حروباً ولاسيما في ظل ايديولوجيا الانتحار، عفواً الاستشهاد، التي نمت في اوساط لبنانية كثيرة. كما ان اللوم الاكبر يقع على عاتق زعاماتهم الحالية، جديدة كانت أم قديمة، فمعظمها يقود البلاد والوطن الى الدمار بحجة انه يسعى الى التغيير وادائه شباب لبنان. لذلك على هؤلاء، وفاء منهم لشهداء الاستقلال الثاني وشهداء التحرير من الاحتلال الاسرائيلي وشهداء غياب اي تصور للبنان الوطن والدولة قبل 1975 وبعدها ولشهداء استباحة الخارج الاقليمي والدولي لبنان وشعوبه - عليهم وعلى كل داخل "مجتمعه" ووسط "شعبه" ان يبرهنوا انهم شباب التعمير الفعلي وليسوا شباب التدمير اياً تكن التضحيات، فهل يفعلون؟