النهار / سركيس نعوم

"حزب الله" القائد الاوحد فعليا لـ"المعارضة الوطنية اللبنانية" صار الآن، وبعد اكثر من ثلاثة اشهر على تحركها لاطاحة حكومة فؤاد السنيورة او للحصول على الثلث المعطل فيها وبعد اكثر من شهرين على تحركها الشعبي في الشارع لتحقيق هذين المطلبين ومطالب اخرى غيرهما، صار الآن في مأزق كبير وربما خطر ، في رأي عدد من المحايدين، بينه وبين اخصامه على الساحة اللبنانية. اما العوامل الدافعة في اتجاه هذا الرأي فكثيرة، منها ان التنوع الطائفي والمذهبي والسياسي للمعارضة الذي ظهر قبل لجوئها الى الشارع لم يصمد كثيرا بعد نزولها اليه وخصوصا بعد اتخاذ هذا النزول منحى تصادمياً خطراً سواء في 23 او في 25 كانون الثاني الماضي. وبدا للجميع داخل لبنان وخارجه ان اطراف المعارضة من غير الشيعة الذين عقدوا لواء الزعامة لـ"حزب الله"، ان الاخير هو القائد الفعلي لها والوحيد وان الآخرين مجرد تغطية تهدف الى الايحاء ان المعارضة ليست شيعية بل وطنية وكذلك اهدافها. والادلة على هذا الواقع كثيرة يعرفها اللبنانيون الامر الذي يجعل تكرارها غير مفيد. ومن العوامل ايضاً ان الحزب وضع، اراد ذلك ام لم يرده، الطائفة الشيعية في مواجهة الطوائف اللبنانية الاخرى من مسيحية واسلامية وذلك امر لا تستطيع تحمّل انعكاساته سواء على الوطن او عليها رغم كونها الطائفة الاكثر عددا وإن في ظل غياب الاحصاءات، ورغم امتلاكها عبر الحزب جيشا عصرياً "مؤدلجاً" ومدرباً على حرب العصابات وعلى حروب اخرى ومزوداً احدث الاسلحة واضخمها. وابرز هذه الانعكاسات الخلاف المذهبي بين السنة والشيعة الذي كان موجودا دائماً، وإن مضبوطا بحسن تصرف قادة الفريقين، والذي اخرجته من القمقم محاولة الشيعة عبر "حزب الله" السيطرة الفعلية على البلاد تحت شعارات اسلامية وقومية ووطنية واضطرار السنة الى الاعتماد على التعبئة المذهبية للنجاح في الوقوف في وجه هذه الحملة. ومن العوامل ثالثاً عدم قدرة الحزب على حسم الصراع بل المواجهة السياسية الشعبية على النحو الذي يؤمّن مصالحه ومصالح حلفائه رغم كل ما يملك من هيبة وسمعة وصواريخ وسلاح وذخائر ودعم اقليمي واموال وحتمية اطلاق محاولة الحسم حرباً اهلية وفتنة مذهبية يخسر فيها الجميع وفي مقدمهم "حزب الله"، ويخسر قبلهم لبنان الوطن المستقل والدولة السيدة. ومن العوامل رابعا ادراك "حزب الله" ان بعض تحالفاته الاقليمية الاساسية صار عبئاً عليه. والمقصود هنا سوريا. فهذه شكلت على مدى عقود العمق الاستراتيجي له ومصدر الحماية له وطريق عبور السلاح والمال اليه. وانتصاره على اسرائيل عام 2000 في لبنان وصيف عام 2006 ما كان ممكنا من دونها. وابسط قواعد رد الجميل او العرفان بالجميل الوقوف مع سوريا التي تعتقد ان لبنان سيكون معبر الخطر اليها في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخها والقيام بكل ما من شأنه انقاذها وتنفيذ "اجندتها" وان ادى الى خراب لبنان بكل طوائفه والمذاهب. ولا تلغي العلاقة العضوية للحزب بايران الاسلامية العبء المذكور هذا ولا تخففه لانها بدورها حليف استراتيجي لسوريا ولان اجنداتهما الاقليمية والدولية متقاربة رغم اختلاف اجنداتهما اللبنانية. لكن الاولوية هي دائماً للاقليمي والدولي. كما لا يخفف منه تمثيلها الطاغي للطائفة الشيعية، ذلك ان في الاخيرة جهات مستعدة دائما للتحرك انسجاما مع المخططات السورية الامر الذي يفرض على الحزب مساعدتها اذا "انحشرت"، او الانجرار وراءها وتاليا تغطيتها. هل "حزب الله"، وتاليا "المعارضة الوطنية اللبنانية"، هما الوحيدان الواقعان في مأزق على الساحة اللبنانية؟ قطعا لا، يجيب المحايدون انفسهم. فالموالاة، اي الغالبية النيابية والحكومية، صارت هي ايضاً في مأزق. ذلك ان استقالة وزراء الطائفة الشيعية من الحكومة، مع وزير رئيس الجمهورية، "شلها" وعطّلها رغم استمرار اجتماعاتها واعتراف المجتمع الدولي والعربي بشرعيتها. وقد تعطلت المؤسسات الدستورية كلها في لبنان، ولا ادل على ذلك من عدم قدرة الحكومة على وضع قرارات مجلس الوزراء موضع التنفيذ، وعجز الغالبية النيابية عن "فك اسر" مجلس النواب، والاخفاق حتى الآن على الاقل في إمرار المحكمة ذات الطابع الدولي بالوسائل الدستورية، والفشل في منع حرب اهلية او فتنة مذهبية اذا ركب الجميع رؤوسهم وقرروا خوضها رغم علمهم ان احدا منهم لن يربحها او ينتصر فيها. ولا أدل على ذلك ايضا من اضطرار الموالاة والغالبية الى الاعتماد في شكل مطلق على الدعمين العربي والدولي فضلا عن المحلي على مذهبيته وذلك بغية اقامة توازن مع "المعارضة"، والمحور الاقليمي الذي يدعمها يحول دون نجاحهما في الخلاص منها. هل يستطيع فريقا المأزق اللبناني ان يخرجا منه؟ الخروج منه يكون بتفاهمهما وذلك صعب وقد يكون صار مستحيلا بعدما اعطى كل منهما لداعميه الخارجيين اوراقه كلها، الامر الذي يجعل هذا الخروج رهن تفاهم الخارجين الاقليمي والدولي المتصارعين على ساحة لبنان وبواسطة شعوبه. الا ان تفاهما كهذا يبدو بالغ الصعوبة على الاقل حتى الآن لان الخارجين انفسهما صارا في مأزق، فسوريا في مأزق لانها تواجه استحقاقات واهمة. (محكمة ذات طابع دولي). وايران في مأزق لانها في مواجهة معظم العالم ولانها قد تستدرج اميركا لتوجيه ضربة عسكرية اليها. واميركا في مأزق في العراق، وقد تصبح في مأزق في افغانستان. لذلك فانها لن تتخلى عن الساحة اللبنانية، او لن تجري تفاهما مع اخصامها عليها اذا لم يكن شاملا كل المشكلات الاقليمية. ماذا يعني ذلك؟ يعني ان الخطر سيبقى محدقا بلبنان. وان الاستقرار سيبقى مزعزعاً، وان خطر الحروب والفتن الداخلية سيبقى قائما. وليس ادل على ذلك من وضع اللبنانيين في موقع الترقب القلق دائماً، اي ترقب الهدنات وما بعد انتهائها. وطبيعي ان يرهق ذلك اللبنانيين بل يدفعهم الى اليأس.