رغم أن الأزمة الحالية حول المسجد الأقصى هي موضوع متجدد وليس جديدا، لكنه في العمق يحمل مؤشرا أساسيا مرتبط "بمدينة القدس" التي بقيت رمزا جامعا لم تحتضنه دولة منذ أن أبدت الاستراتيجية الدولية قبيل الحرب العالمية الأولى رغبة في إعطاء المدينة "سمة دولية"، اتضحت اكثر في خرائط سايكس – بيكو، لكنها أعادت وخلقت تشظيا لهذا الرمز خلال قرار التقسيم بعد إجراء فصل داخل المدينة، وإنهاء "هويتها" بشكل كامل.

بالطبع فإن السمات الدينية لمدينة القدس خلقت أزمات متعابقة عبر المراحل التاريخية للمنطقة، لكن هذا الموضوع اتخذ مسارا جديدا منذ إنهاء "هويتها" الجغرافية، والنظر إليها كمكان دولي يلغي حتى "حق أهلها" في تصور مستقبل مدينتهم. والعامل الأوضح في مسألة "تدويل" هوية القدس هو إلغاء انتمائها الحقيقي للدولة المعاصرة. فمعظم "المدن الدينية" استقرت في النهاية ضمن "نطاق الدولة" سواء تعلق الأمر بمكة أو الفاتيكان أو حتى مدن الديانات القديمة في الهند. فالرمز الديني لم يمنع من تبعية المدينة لمفهوم الدولة، التي تضيف إلى التكوين الديني معالم ثقافية إضافية، مع عدم السماح لضياع "حقوق المدينة" كما يحدث اليوم في القدس، وهذه الحقوق تتضمن الانتماء والمواطنة للمدينة والمجتمع.

في النهاية فإن "القدس" رغم وجود عدد كبير من الهيئات الدولية والإسلامية والعربية التي تحاول أن تعنى بشؤونها لكنها لم تعد تكتسب "السمة الدولية"، بعد أن جعلتها "إسرائيل" عاصمة لها ... فعدم اعتراف الهيئات الدولية بهذا الإجراء لم يغير الواقع، وأصبحت إسرائيل ليست معنية فقط بشأن المدينة، بل أيضا غدت المرجعية بشأنها، وعمليات "التهويد" هي زيادة في تكريس الأمر الواقع اليوم.

وإذا كان "الغضب" الإسلامي اليوم يبدي استنكاره، فإنه سيبقى مثل الاحتجاجات قبل الحرب على العراق، فهي معبرة عن "رأي عام" لا يملك علاقة مباشرة بالحدث، فهو ينتمي لـ"دول" أخرى، بينما لا ترى إسرائيل أي حق آخر غير اعتبار "القدس" عاصمة لدولتها.

وربما علينا تذكر أمرين أساسيين:

-  الأول أن تجربة إسرائيل مع القدس ليست بعيدة، فانتفاضة الأقصى كانت لأسباب مشابهة، لكنها تحاول تجاهل هذه التجربة لاختلاف الظروف الموضوعية، فلا السلطة الفلسطينية كـ"مشروع دولة" تملك واقعا على الأرض، ومن الصعب تخيل عودتها كما كانت (على علاتها) قبل مرحلة الانتفاضة. فالسلطة كان لها دور جوهري في الانتفاضة، وهي التي اعطتها "مشروعيتها" على المستوى الإقليمي والدولي، رغم أن باقي الفصائل كانت عصب هذه الانتفاضة.

-  الثاني ان إسرائيل تعرف أن "الدولة" في الشرق الأوسط عموما تعيش تجربة قاسية بعد تجربة العراق ولبنان وفلسطين، وهي معنية بالتعامل مع ما أنتجته هذه التجربة ... فهي تفترض ان "الدولة" تبدلت مفهوما وشكلا، وذلك ضمن إجراء استباقي برز بشكل واضح قبل ثلاث أعوام مع اجتياح الضفة، ثم في حرب تموز .. واليوم في تهويد الأقصى. لن ينهار الأقصى على رؤوس المصلين ... لكن الخوف مع تشتت "الدولة" أن تصبح المعالم الدينية أشبة "بالمراكز" السياحية التي نشاهدها في بلغاريا لمساجد تدل على "دولة" كانت قائمة وانتهت لصالح دولة جديدة.