يقول سياسي مخضرم ان العلاقات بين لبنان وسوريا لا يمكن ان تظل سليمة وصحية ما دامت سوريا لا تسلّم بوجود لبنان دولة سيدة حرة مستقلة بل تعتبره جزءا منها وتعامله معاملة من لم يبلغ سن الرشد وفي حاجة دائمة الى وصايتها... ويضيف ان الزعيم الراحل رياض الصلح بعدما نجح في اقناع عدد من الزعماء المسيحيين بالانضمام الى معركة الاستقلال وانهاء الانتداب الفرنسي، شوهد وهو في منزله غارقا في التفكير ولا يبدو الارتياح على وجهه، فسأله قريب منه عن السبب فأجابه: لقد نجحت في اقناع عدد من الزعماء المسيحيين بالانخراط في معركة الاستقلال من اجل كسبها، وافكر الآن في كيفية اقناع عدد من الزعماء السوريين بأهمية حصول لبنان على الاستقلال والتخلص من الانتداب الفرنسي. الواقع، ان سوريا منذ ان حصل لبنان على الاستقلال عام 1943 وهي تأبى ان تراه سوى دولة تابعة لها وصاحبة الوصاية عليه وان من حقها الطبيعي ان تتدخل في شؤونه الداخلية وليس له حق التصرف من دون الوقوف على رأيها... وان لا يكون له قراره الحر، وهذا ما جعل الرئيس السنيورة يكرر القول ان على سوريا ان تعتاد لبنان الدولة السيدة الحرة المستقلة وان تتعاطى معه على هذا الاساس.

ان هذا الشعور كان يمتلك الزعيم رياض الصلح طيلة حقبة الاستقلال الطري العود مما جعله يرى ان ليس المهم الحصول على الاستقلال انما الاهم هو المحافظة عليه والعمل في هذا السبيل، وكان في كل الاحداث الخطيرة التي عصفت بلبنان يدعو الى الاتحاد المسيحي الاسلامي مقربا وجهات النظر بين الجناحين ملحا على وجوب التفاهم لتستطيع البلاد منع الطغيان الاستعماري، فكان له الفضل في تآخي الوطنيين في لبنان وسوريا، وقد امتاز عن سائر الوطنيين العاملين لاستقلال العرب ووحدتهم بتفهمه للقضية اللبنانية ولما للبنان من شخصية مميزة في العالم العربي الاسلامي الفسيح، ولم يكن يتردد في المجاهرة بهذا الرأي والقول انه لا يضير الوحدة العربية ان تقوم على ست او سبع ركائز، وان يظل لبنان محتفظا باستقلاله، وغير ذائب ذوبانا تاما في وحدة عربية تقضي على كيانه وشخصيته المميزة. وقوله ايضا انه يعمل لاستقلال لبنان وسيادته من دون التطلع الى شيء آخر سوى زوال حكم الاجنبي عن لبنان، ومصارحة اخوانه السوريين اكثر من مرة بقوله لهم: "دعوا لبنان وشأنه، فلبنان السيد المستقل يخدم القضية العربية الف مرة اكثر من لبنان الذائب في بلد عربي آخر"، ولطالما كرر على مسمع الجميع ابرازا منه للطابع المميز للبنان: "لو لم يكن لبنان لكان على العرب ان يوجدوه كما هو لكي يثبتوا للعالم ان قضيتهم قضية وطنية وقومية وليست قضية طائفية ولا دينية".

لكن سوريا ظلت تنظر الى لبنان نظرة مبنية على وحدة بلاد الشام الجغرافية، وترى انه قبل انسلاخها عن السلطة العثمانية لم يكن للبنان، في رأي مسؤولين سوريين، وجود مستقل في شكله الحالي، بل كان هناك جبل لبنان فقط، وفي نهاية الحرب العظمى احتل الانكليز الساحل السوري وسلموا الى الفرنسيين ادارته المدنية نتيجة الاتفاقات بينهم.

وانطلاقا من هذا التفكير السوري حيال لبنان، لم تكن العلاقات اللبنانية – السورية تحافظ وقتا طويلا على صفائها، بل كانت تتعكر من حين الى آخر عند اصغر حدث او سبب. فلم يعجب سوريا مثلا ان يسبقها لبنان في عقد اتفاق النقد مع فرنسا آخذة عليه عدم ذهابهما معا لعقد هذا الاتفاق فذهبت الى حد اتهامه بالحنين الى الانتداب الفرنسي... ثم اقدمت على اعلان القطيعة بينها وبين لبنان وحجبت عنه القمح، فاضطر الى استيراده من دول الغرب. وفي حوادث 1958 مدت المتمردين على السلطة بالسلاح لانهاء عهد الرئيس كميل شمعون او منعه من التجديد، وعارضت عقد لقاء بين الرئيس عبد الناصر والرئيس فؤاد شهاب على الحدود داخل خيمة نصفها في الاراضي السورية ونصفها الآخر في الاراضي اللبنانية واصرت على ان يتم عقد هذا اللقاء داخل الاراضي السورية، لكن تدخل الرئيس المصري حال دون ذلك. ولم تحل الصداقة القوية التي كانت تربط الرئيس سليمان فرنجيه بالرئيس الاسد دون اغلاق الحدود بين البلدين عند المصنع ومنعها دخول الشاحنات الى لبنان

ومغادرتها، فتسبب هذا الاجراء بازمة اقتصادية خانقة، وهو ما دفع العميد الراحل ريمون اده الى زيارة دمشق ومقابلة الرئيس حافظ الاسد في مسعى يرمي الى اعادة فتح الحدود وقد نجح في مسعاه. وشكر في ما بعد مبادرة سوريا لوقف الاقتتال في لبنان لكنه طلب عدم التدخل في شؤونه الداخلية وان تعلن سوريا ان لا طموح اقليميا لها في لبنان. وعندما حصل هذا التدخل، اعلن خصومته السياسية لها وراح يدعو مرارا وتكرارا الى سحب قواتها من لبنان.

وعندما زاره الموفد الاميركي دين براون لاقناعه بان تتولى قوات سورية حفظ الامن في لبنان لم يقتنع مبررا ذلك بالقول له ان الجيش السوري سيكون وحدة القوة الفعلية متى انتشر على الاراضي اللبنانية، وانه يوافق على الاستعانة بجيش اي دولة في العالم لحفظ الامن واعادة الاستقرار شرط الا يكون جيش دولة هي على حدود لبنان.

وعندما انتخب الياس سركيس رئيسا للجمهورية زاره العميد اده في قصر بعبدا ليقول له قبل ان يتوجه لحضور القمة العربية في الرياض: "اتمنى عليك ان تجعل قوة الردع العربية التي سيتم تشكيلها مؤلفة من اعداد متساوية بين الدول التي ستشارك فيها وذلك خوفا من ان يطغى عليها عدد القوات السورية. وعندما تشكلت هذه القوى وكان عدد القوات السورية فيها كبيرا جدا، وهو ما توقعه اده، برر الرئيس سركيس قبوله بذلك بالقول له في لقاء عقد بينهما بعد عودته من مؤتمر القمة ان "قوات الردع العربية وضعت في تصرفه وتحت امرته"، فقال له اده: "لو اردت ان تنقل جندياً سورياً من ساحة البرج الى باب ادريس فلمن تكون الامرة هل تكون لك ام للرئيس الاسد ولامر من ينصاع الجندي"؟

وهكذا خضع لبنان للوصاية السورية مدة ثلاثين سنة، عانى معظم اللبنانيين خلالها ما عانوه وها ان النظام السوري لم يتقبل حتى الآن الاسباب التي اضطرته الى سحب قواته من لبنان، ولا يريد ان يصدق بان لبنان استعاد بانتفاضة شعبية استقلاله وسيادته وقراره الحر، ولا يزال هذا النظام يهدد بالعودة اليه تحت اي شكل من الاشكال، ولو سياسيا، من خلال حلفائه في لبنان الذين لا دور فاعل لهم من دون هذه العودة، وهو يحركهم من اجل تغيير الوضع الذي نشأ على اثر انتفاضة 14 آذار كي يعود به الى ما قبل هذا التاريخ، وقد نجح النظام السوري حتى الآن بالتهديد والوعيد بتدخله السافر في شؤون لبنان الداخلية في احداث ازمة قد يستعصي حلها، بفعل انقسام اللبنانيين بين مؤيد لحكومة السنيورة وداعم لبقائها ومطالب باستقالتها وباجراء انتخابات نيابية مبكرة علّ نتائجها تأتي في مصلحة حلفاء هذا النظام فيستعيدون الحكم في لبنان، والا استمرت الازمة واستمر معها شلل المؤسسات بحيث انه قد يتعذر التوصل الى اتفاق على انتخاب رئيس للجمهورية خلفا للرئيس لحود فيكون عندئذ الفراغ الشامل... فهل ينجح النظام السوري بواسطة حلفائه في لبنان في تحقيق ذلك؟

مصادر
النهار (لبنان)