النهار / سركيس نعوم

لا يزال "فلسطينيو لبنان" قوة عسكرية وأمنية يحسب لها حساب رغم تخليهم عن السلاح الثقيل والمتوسط أو معظمه في أوائل التسعينات من القرن الماضي على اثر تفاهم منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة ياسر عرفات والدولة اللبنانية التي انبثقت من اتفاق الطائف على انكفاء مقاتليها الى المخيمات وقبولها تنفيذ الشق المتعلق بها من قرار حل الميليشيات والاكتفاء بالسلاح الخفيف داخل هذه المخيمات دفاعاً عن النفس الى حين التوصل الى حل للقضية الفلسطينية. وبعد انسحاب سوريا عسكرياً من لبنان في 26 نيسان 2005 "تنفيذاً" للقرار الدولي 1559 عاد الخوف من القوة الفلسطينية المذكورة الى قلوب لبنانيين كثيرين بعدما تأكد لهم ان عدداً من الفصائل الفلسطينية وبغض طرف من الدولة اللبنانية وضوء اخضر من سوريا التي كانت تسيرها وتسيطر على مقدراتها احتفظ ليس فقط بسلاحه الثقيل بل ايضاً بقواعد عسكرية خارج المخيمات سواء في العمق اللبناني أو على مقربة من الحدود اللبنانية – السورية الشرقية. وبعدما ثبت لهم ومن خلال تصريحات فلسطينية واخرى لبنانية حليفة ان الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان يمكن ان يعود الى النشاط على ارضه ولكن ليس لمواجهة اسرائيل كما كانت الحال بين 1969 و1982، بل لمواجهة جهات لبنانية تختلف معها بالسياسة كما تختلف مع حليفتها الاولى سوريا الخارجة حديثاً من لبنان على كل شيء. وقد ازداد الخوف المذكور عندما انقسم اللبنانيون فريقين احدهما بقيادة الشيعة وزعيمهم "حزب الله" والآخر بقيادة السنة وزعيمهم "تيار المستقبل" واتخذ نزاعهم الذي يفترض انه سياسي ووطني طابعاً مذهبياً، كاد هذا الصراع ان وزعيمهم حرباً أهلية أو فتنة مذهبية في الخامس والعشرين من كانون الثاني الماضي، وبدا واضحاً ان الفريقين صارا اداة في صراع اقليمي ودولي واسع ساحته لبنان. أما السبب الاساسي للخوف المذكور فهو احتمال تورط" فلسطينيي لبنان" في أي حرب أهلية أو فتنة مذهبية قد تقع، أو توريطهم بها وهذا قد يكون من منطلق مذهبي كون الغالبية الساحقة من الفلسطينيين سنة. كما قد يكون سياسياً كون قسم منهم يجد نفسه في موقع واحد مع احد الفريقين اللبنانيين المتصارعين رغم الاختلاف المذهبي عنه سواء بسبب اشتراكهما في ايديولوجيا مقاومة واحدة او في تحالف واحد مع محور اقليمي مهم مكون من سوريا والجمهورية الاسلامية الايرانية. واياً يكن المنطلق فان التورط او التوريط سيحول لبنان ساحة للفوضى والاقتتال والخراب والدمار. هل يمكن ان يشارك "فلسطينيو لبنان" في حرب أهلية او فتنة مذهبية في لبنان؟ قبل الجواب عن هذا السؤال يلفت مطلعون بدقة على الوضع الفلسطيني في لبنان وفي سوريا وفي الاردن وفي "فلسطين" الى ان القلق اللبناني في محله لاسباب متنوعة منها انقسام الفلسطينيين فريقين كبيرين ووجود نوع من التعاطف بين أحدهما المؤلف من منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية مع أحد الفريقين اللبنانيين المتصارعين وبين حركة "حماس" وسائر الفصائل الاسلامية والاخرى القومية المتحالفة مع سوريا مع الفريق اللبناني الآخر. لا بل ان التعاطف الثاني يكاد ان يرقى الى مرتبة التحالف. ومنها ايضاً اقتناع دمشق وحليفها الاقليمي طهران انهما تخوضان من لبنان مواجهة شاملة على نتائجها يتوقف مصير النظام في كل منهما وخصوصاً السوري. لكن رغم ذلك، يؤكد المطلعون انفسهم، لن يتورط "فلسطينيو لبنان" في اي اقتتال لبناني داخلي اولاً لأنهم اعتبروا من الحرب الطويلة التي خربت لبنان والتي كان لهم فيها دور كبير بل الدور الأكبر على الأقل حتى عام 1982 حين ارغمت اسرائيل مقاتليهم او قسماً كبيراً منهم على الرحيل عن لبنان. وثانياً لأنهم بدورهم يقفون على اعتاب حرب داخلية في ما بينهم ظهرت طلائعها في الاسابيع الماضية في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلين. ولأن التورط في لبنان الارادي أو غير الارادي من شأنه نقل هذه الحرب الى لبنان وانهاء القضية الفلسطينية ولكن على نحو لا يخدم مصالح شعب فلسطين. وهذا المناخ يشمل فصائل منظمة التحرير والسلطة الوطنية حتى تلك التي تقيم قياداتها في دمشق وكذلك فصائل "حماس" و"الجهاد". ماذا عن "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة"؟ وماذا عن التنظيمات الاصولية "الجهادية" التي نشأت في السنوات الماضية والتي قويت بعد انسحاب سوريا من لبنان ربيع 2005 والتي تجهر بسياسات ومواقف لا تأخذ في الاعتبار مصلحة لبنان أو حتى مصلحة القضية الفلسطينية؟ المطلعون على الاوضاع الفلسطينية أنفسهم يعترفون بأن هذه التنظيمات والفصائل قد تشارك مباشرة أو مداورة في أي حرب داخلية او فتنة. وخصوصاً اذا كان لسوريا موقف مؤيد لأحد طرفيها أو أطرافها. ولكنهم يلفتون الى امرين. الأول، ان الفلسطينيين لا يعتبرون التنظيمات المذكورة فلسطينية الا بالاسم. فهي في رأيهم امتدادات لسوريا في لبنان رغم قدرتها على توريط الفلسطينيين بانتمائها الفلسطيني وبوجودها في مخيمات "فلسطينيي لبنان". والثاني ان غالبية الفلسطينيين في المخيمات ستواجه بكل الوسائل أي محاولة لتوريطها في صراع لبناني او لبناني ذي خلفية خارجية. طبعاً لا يعني ذلك ان مجموعات فلسطينية صغيرة جداً لن تشارك في أي فتنة. لكن تأثيرها سيبقى محدوداً. هل تعني اثارة هذا الموضوع ان الحرب الاهلية في لبنان او الفتنة المذهبية صارت امراً محتماً او شبه محتم؟ كلا، يجيب لبنانيون متابعون بدقة تطورات الاوضاع في وطنهم. فما حصل في 23 من الشهر الماضي وفي 25 منه على سوئه يمكن ان يتكرر. لكن "الانفجار" الكبير الذي يخشى الجميع منه قد لا يقع على الاقل في المستقبل المنظور. أولاً، لأن الأطراف اللبنانيين كلهم وابرزهم "8 آذار" و"14 آذار" يعرفون ان ذلك انتحار جماعي لهم ولبلادهم. وثانياً، لأن الاتصالات الاقليمية والدولية لايجاد حل او تسوية للأزمة اللبنانية الناشبة ناشطة على كل المستويات، ولأن القمة العربية الموسعة التي ستعقد في المملكة العربية السعودية في آخر اسبوع من آذار المقبل لا بد ان تتناول هذه الأزمة بكثير من العمق والجدية. فاذا نجحت لبنانياً يتجنب لبنان الصغير بحجمه والكبير بمشكلاته وانقساماته "القطوع" الكبير الذي يخشاه الجميع. اما اذا فشلت فان كل شيء سيئ طبعاً، يصبح متوقعاً. والنجاح والفشل يرتبطان الى حد بعيد بالعلاقات السعودية – السورية شبه المقطوعة حالياً وبالتشاور الايراني – السعودي الجاري حالياً وبمدى التوافق بين الحليفين السوري والايراني على الموضوع اللبناني.