رسمت الفضائيات ومواقع الإنترنيت في عقلنا مساحات جديدة لرؤيتنا للعالم ... صار الرأي الآخر حاضر بشكل دائم ... فالفضائيات أنهت احتكار الإعلام الجماهيري وأدخلته مرحلة معرفية حققت الشرط الإعلامي الأساسي، لكنها على ما يبدو فشلت في كسر شرط الحرية الأساسي: قبول الآخر مهما كان.

مقدمات ديمقراطية الإعلام كان واضحا في تجاوز حدود الصورة النمطية المرسومة على امتداد أكثر من ربع قرن ... لكن النتائج على ما يبدو تظهر عمليات رفض الآخر ضمن صورة نمطية جديدة تظهر الخلافات بشكلها الفاضح. هذا الأقل ما تقدمه تجارب أساسية في بعض الفضائيات العربية، مثل برنامج الاتجاه المعاكس في قناة الجزيرة، أو حتى في يحدث داخل صفحات الرأي في المطبوعات اللبنانية.

المسألة بالنسبة للقائمين على الإعلام توحي بمؤشرين:

- الأول هو الاعتبار الثقافي والخصوصيات لـ"المجتمعات العربية". فالإعلام كسر تابو "السياسة، لكنه كرس تابو "الجنس" و "الدين". والخصوصية الثقافية تلعب دورها حتى في الموضوع السياسي، لأن عمليات الكسر تراعي أيضا الحساسيات الدولية. وربما علينا أن نحيل القارئ إلى ما رافق عرض مسلسل "العودة إلى كابول" من جدل انتهى إلى إيقاف بثه.

- الثاني القفز مباشرة إلى نتائج "الديمقراطية"، وعدم السماح بمناقشة "العملية الديمقراطية" بذاتها، بحجة أن هذه المناقشة "عمل غير ديمقراطي". وربما من الأمثلة الفاضحة في هذا المجال عدم التعامل مع مسائل العلاقة بين الديمقراطية والعلمانية، أو مفهوم الحداثة والحزب السياسي. بل ربما على العكس فهناك اتجاه لشرعنة "الدولة الدينية" و "الحاكمية" بمفهومها التراثي، على أساس أن هذه المفاهيم جزء من العملية الديمقراطية.

نتائج الديمقراطية اليوم تحتاج إلى بحث، على الأخص في المجال الإعلامي، مع التأكيد على عدم التراجع إلى مراحل ماضية. فزمن العولمة يمكن أن يصبح "ديمقراطي بامتياز" .. لكنه في نفس الوقت قد ينتهي إلى صورة لحرب القبائل .. ونحن لا نريد العودة إلى زمن "حرب البسوس" و "داحس والغبراء".