يخطط الكيان الصهيوني منذ زمن بعيد لتقسيم دول المنطقة العربية الى دويلات على أسس عرقية ودينية تمهيدا لإعادة تشكيلها وفق ما يتماشى واستراتيجيته بعيدة المدى. ويرتكز هذا المخطط القديم بالخصوص على العراق وسوريا كـ «بوابتين» تفضيان في ما بعد الى تمزيق العالم العربي...

«الشروق» تنشر اليوم وثيقة يعود عمرها الى ربع قرن تؤكّد طبيعة المخططات الصهيونية القديمة للمنطقة. تحتاج إسرائىل مع بداية الثمانينات إلى دراسة جديدة لمكانتها وأهدافها سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي فنحن نعيش على مقربة عهد جديد من تاريخ الإنسانية تختلف خصائصه ومميزاته عما عرفناه لذلك نحتاج إلى قراءة تمكننا من إدراك خصائص هذه المرحلة التاريخية، ورؤية عالمية شمولية واستراتيجية عملية تتلاءم مع الوضعيات الجديدة في المرحلة المقبلة، وتتعلق بحتمية وجودنا واستمرار الدولة اليهودية، تتميّز هذه الحقبة الزمنية بملامح أحدثت تغيّرات هامة في نمط حياتنا حاليا.

وأبرزها القطع مع العقلانية والنظرية الإنسانية أما النظرية السياسية الاجتماعية والاقتصادية فقد بنيت على عدّة «حقائق» هي الآن في طريق الاضمحلال ولنأخذ على سبيل المثال: تلك النظرية التي تعتبر الإنسان كائنا محوريا في الكون وكل شيء خلق ووجد لتلبية رغباته المادية.

هذه النظرية لم تعد صالحة عندما اتضح أن الموارد التي يحتويها هذا الكوكب الأرضي غير قادرة على تلبية حاجيات الإنسان الاقتصادية والديمغرافية في عالم يضم قرابة 4 بليون نسمة مقابل ذلك فإن الموارد الاقتصادية والأولية لا تنمو بنسق سريع لتواجه الحاجيات المتزايدة للإنسانية ولذلك فمن غير المنطقي توقع تحقيق كل طلبات المجتمع الغربي مثل الرغبة في استهلاك غير محدود وغيرها.

ثم إن الرأي القائل بأن العرق لا يمكنه أن يلعب أي دور في تحديد توجهات الفرد رأي خاطئ لأن العرق وأيضا الرغبات المادية يؤثران بشكل كبير في تحديد مخطط أي فرد.

إن الطموحات والأحلام اللامتناهية تصطدم بالحقائق المؤسفة والمحزنة للحياة وهذا ما نلاحظه في انهيار النظام العالمي من حولنا.

لذلك فالرأي الذي يعد الإنسانية بالحرية والانعتاق يصطدم بحقائق مفزعة أمّا الرأي الذي يخصّ المساواة والعدالة الاجتماعية التي وقع تبنيها من قبل الاستراتيجية فلم يقع تطبيقها بكل شفافية لأن أغلب الشعوب فقدت حريتها وفرصتها في المساواة والعدالة الاجتماعية، إن هذا العالم الذي نعيش فيه في كنف نوع من السلم لمدّة قرابة ثلاثين سنة تغيرت فيه معاني السلم والتعايش بين الشعوب في ظل قوّة روسية في شكلها الحالي، وهذا ما يفرض وجود حرب نووية ليس فقط لإنهاء الفترة الماركسية بل أيضا لاستمرار الحياة الإنسانية. إن تنامي القدرة العسكرية للاتحاد السوفياتي وانتشار السلاح النووي وأيضا الأسلحة التقليدية وتزايد أعدادها بمختلف أنواعها سيحدث تغيرات في أغلب مناطق العالم وهذا ما يجعل إسرائىل تتهيأ لمواجهة أي طارئ ومحاولة تأمين نفسها.

لكن أهم تحدّ بالنسبة لنا والعالم الغربي هو الحرب على الموارد الطبيعية في العالم وخاصّة سيطرة العرب على أهم موارد النفط مقابل الحاجة المتزايدة للغرب لاستيراد المواد الخامة من العالم الثالث.

كما أن الاتحاد السوفياتي جعل من أولوياته فرض مراقبة منابع الطاقة الهامة في الخليج والجزء الجنوبي لإفريقيا حيث تتواجد أهم المعادن في العالم وتخيلوا حجم المعاناة والصعوبات التي ستعترضنا في المستقبل.

الاستراتيجية السوفياتية تهدف إلى مراقبة المحيطات والمناطق الغنية بالمعادن في العالم الثالث والسيطرة عليها وهذا سهل التنفيذ خاصّة مع القوة النووية للاتحاد السوفياتي حاليا والتي تمكنه من شن حرب نووية وتدمير القدرة العسكرية للعالم الغربي وجعل سكانه عبيدا للنظام الماركسي ـ اللينيني وهذا يمثل أكبر خطر على السلم العالمي وعلى وجودنا خاصة.

يعمل الاتحاد السوفياتي على تنفيذ مخططاته في مناطق مختلفة من العالم أجمع وهذا ما يستوجب إدراج مواجهتهم السوفيات في سلم أولويات سياسة بلادنا وسياسة كل العالم الحر وهو أهم تحدّ لنا على المستوى الخارجي.

* المنطقة العربية

تمثل المنطقة العربية تهديدا حقيقيا لإسرائىل نظرا للنمو المتصاعد لقدراتها العسكرية. فالأقليات العرقية والأزمات الداخلية قد تشكل عامل تهديم ذاتي داخلي مثل ما يحدث في لبنان وإيران وسوريا ولهذا فهذه الدول غير قادرة على حلّ مشاكلها الداخلية.

ويمكن القول إن العالم العربي الإسلامي هو عبارة عن بيت من الورق وقع تجميعه مع بعضهم البعض بأيادي أجنبية (فرنسا ـ بريطانيا 1920) دون الأخذ بعين الاعتبار رغبة الشعوب في ذلك. وقد وقع تقسيم هذا العالم إلى 19 دولة تحتوي كلها على مزيج من الأقليات المتناحرة لذلك فإن كل دولة تواجه خطر التفكك العرقي، مع أن هناك حربا أهلية قد اندلعت فعلا في هذه المناطق.

كما أن أغلب العرب أي 118 مليون من مجموع 170 مليون يعيشون في إفريقيا أغلبهم في مصر (45 مليون) وباستثناء مصر فإن عرب إفريقيا يتكونون في أغلبهم من العرب والبربر. وفي الجزائر فقد اندلعت حرب أهلية في جبال القبائل كما أن المغرب والجزائر يتصارعان على الصحراء الإسبانية (الغربية) أما ليبيا التي تضم عددا قليلا من السكان فلا يمكنها أن تصبح دولة قوية ولهذا تحاول الاتحاد مع دول أقوى مثل مصر وسوريا والسودان وهذه الأخيرة هي أكثر المناطق العربية الممزقة، تتكوّن من أربعة أعراق أعداء فيما بينها في حين تتولى أقلية مسلمة سنية حكم الأغلبية من الأفارقة غير العرب ومن المسيحيين. أما مصر فإنها تضمّ أغلبية سنية مسلمة تواجه أقلية مسيحية لكن لها وزنها (قرابة 7 ملايين) وقد أعرب السادات في خطابه في 8 ماي عن خشيته من أن يطالب هؤلاء بدولة خاصة بهم. فسوريا لا تختلف كثيرا عن لبنان فيما يتعلق بنظام الحكم العسكري لكن الحرب الحقيقية التي تدور هناك هي بين الشيعة 12 والأغلبية السنية.

ولا يختلف الوضع في العراق كثيرا عن جيرانه لأنه يتكون من أغلبية شيعية تحكمها أقلية سنية أي أن قرابة 67 من السكان لا علاقة لهم بالسياسة حيث تحكم نخبة تمثل 20 فقط من سكان البلاد(!) هذا إضافة إلى وجود مجموعة هامة من الأكراد في الجنوب لذلك فإن مصير العراق لن يختلف كثيرا عن لبنان وسوريا. وتبرز بوادر صراعات داخلية وحروب أهلية في إيران خاصة مع اعتلاء الخميني «العرش» والذي يرى فيه شيعة العراق قائدهم «الشرعي».

وبصفة عامة يمكن القول إن كل دول الخليج هي عبارة عن بيت من الرمل لا يوجد فيها إلا البترول ففي الكويت لا يمثل الكويتيون سوى 1/4 السكان وفي البحرين يمثل الشيعة الأغلبية لكنهم محرومون من السلطة وفي الإمارات يمثل الشيعة الأغلبية لكن السنة هم الذين يحكمون ونفس الشيء بالنسبة لعمان وشمال اليمن وفي السعودية يمثل الأجانب نصف السكان وأغلبهم من المصريين واليمنيين لكن الأقلية هي التي تسيطر على الحكم. أما الأردن فهي في الحقيقة فلسطينية يحكمها أقلية من البدو لكن أغلب العسكريين والإداريين هم فلسطينيون فعمّان هي فلسطينية مثل نابلس.

وكل هذه الدول لها قوة عسكرية لا تخلو أيضا من بعض المشاكل فأغلب العسكريين السوريين هم من السنة يقودون جيشا من الشيعة والجيش العراقي يتكون من الشيعة ويقوده السنة وهذا يحمل معنى عميق على المدى الطويل لأنه لا يمكن الحفاظ على جيش بهذه المكونات لمدة طويلة.

أما إيران فتتكون من مزيج من الفرس والأتراك وسكان تركيا يتكونون أيضا من أغلبية سنية مسلمة 50 وأقليتين أخرتين بارزتين 12 مليون شيعي علوي و6 ملايين كردي وتضم أفغانستان 5 ملايين شيعي ويمثلون 1/3 السكان وباكستان تضم 15 مليون شيعي يهددون وجودها.

* الوضع الاقتصادي

هذه اللوحة العرقية الفسيفسائية التي تبدأ من المغرب لتصل إلى الهند ومن الصومال إلى تركيا تؤكد بصفة واضحة هشاشتها وغياب الاستقرار ممّا يرجّح سرعة اندلاع اضطرابات في المنطقة ففي هذا العالم هناك أقلية غنية وأغلبية فقيرة إذ أن أغلب العرب لهم معدل دخل سنوي يقدر بـ300 دولار خاصة في مصر وأغلب دول المغرب العربي باستثناء ليبيا والعراق.

أما لبنان فبالإضافة إلى الاضطرابات التي يعيشها فإنه لا يتمتع بسلطة مركزية بل يوجد تقريبا خمس سلط داخل الدولة. سوريا أيضا تواجه وضعا صعبا ولن تستطيع حل مشاكلها المتعلقة بإرساء جيش تكون له مكانته وقادرة على العناية به.

وتعتبر مصر أسوأ الوضعيات حيث يعيش الملايين من سكانها على حافة المجاعة وتعاني 1/2 اليد العاملة من البطالة التي تعاني من الاكتضاض السكاني وهي دولة على حافة الإفلاس تعيش على المساعدات الخارجية وخاصة الأمريكية.

وتوجد في دول الخليج وليبيا أكثر الثروات المتأتية من البترول لكن أقلية فقط تتصرّف فيها وهي أقلية تفتقد إلى روح المبادرة والثقة في النفس مما يحدّ من إمكانية إرساءها قوّة عسكرية.

فالسعودية بكل تجهيزاتها العسكرية لا تستطيع دحر أي خطر حقيقي سواء كان داخليا أو خارجيا ولعل ما حدث في مكة سنة 1980 هو أبرز دليل على ذلك (أحداث مسلّحة في الحرم).

فالوضع الذي يحيط بإسرائىل محزن ومأساوي ويخلق تحديات لمواجهتها، فمنذ 1967 انحصر اهتمام إسرائىل في تلبية حاجيات سياسية ضيقة وتبنت أفكارا قد تكون هدّامة مما حدّ من قدرتنا سواء داخليا أو خارجيا. والفشل في اتخاذ قرار صائب فيما يتعلّق بالسكان العرب في الأراضي الجديدة (المحتلة) (بعد 1967) هو أعظم خطأ ارتكبته إسرائىل مباشرة بعد حرب الست أيام.

لأنه كان من الممكن حماية أنفسنا من الأسوأ والأخطر وذلك بتوطين الفلسطينيين في الأردن وبذلك نتخلص من مشكل الفلسطينيين الذي نواجهه اليوم.

لكن حاليا أمامنا فرصة كبيرة لتغيير الأوضاع وهذا مايجب أن نفعله في العشرية القادمة وإلاّ فلن نستمر كدولة. لذا يجب على إسرائىل أن تحقق تقدما كبيرا على مستوى إحداث تغيير جذري على المستوى السياسي والاقتصادي للتأقلم مع التحديات الإقليمية والدولية: لأن خسارة قناة السويس ومنطقة سيناء الغنية بالموارد النفطية سيتسبب في تزايد الحاجة إلى النفط في المستقبل وهو ما من شأنه أن يهدّد الاقتصاد الداخلي خاصّة وأننا حاليا نخصّص تقريبا ثلث الميزانية للاقتناء حاجياتنا النفطية.

لذلك فبدون بترول ولا مداخيل متأتية منه فإننا لن نتخلص من هذه الوضعية الصعبة وهذا يجعلنا نحاول العودة إلى الوضعية التي كانت عليها سيناء قبل زيارة السادات واتفاق السلام الذي أخذ خطأ في مارس 1979. ولإسرائىل طريقتين لتحقيق أهدافها طريقة مباشرة ولكنها أقل «واقعية» بسبب طبيعة نظام الحكم في إسرائىل وأيضا حكومة السادات التي مكنته من الحصول على انسحاب من سيناء الذي تلا حرب 1973.