النهار / سركيس نعوم

يلاحظ اللبنانيون من خلال متابعتهم ما تنشره وسائل الاعلام الموالية والمعارضة ان موضوع رئاسة الجمهورية لم يعد يشكل، رسمياً على الاقل، جزءاً من المشكلات التي تسببت بالازمة الناشبة منذ اشهر وانه لن يكون تالياً جزءاً من التسوية التي عمل ولا يزال يعمل لها الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى والتي دخلت المملكة العربية السعودية على خطها مباشرة قبل اسابيع مع الجمهورية الاسلامية الايرانية حليفة سوريا بشار الاسد وراعية المعارضة اللبنانية من خلال علاقتها العضوية مع "حزب الله". ذلك ان كل المعلومات التي تنشر، فضلا عن المعطيات، تشير الى ان المساعي تتركز على قضيتين او بالاحرى على مشكلتين. اولاهما، المحكمة ذات الطابع الدولي التي ستنظر اذا شكلت في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري والاغتيالات ومحاولات الاغتيال التي سبقتها او اعقبتها. وثانيتهما، الوضع الحكومي الذي صار مشلولا عمليا بعد استقالة وزراء الطائفة الشيعية من الحكومة ومعهم وزير رئيس الجمهورية. اما استبعاد الموضوع الرئاسي من المساعي والمشاورات فيعود الى اسباب عدة، بعضها شكلي ويتعلق بان موعد استحقاق الانتخابات الرئاسية لم يحن بعد. وبعضها الآخر جوهري ويتعلق بخوف جهات مسيحية عدة من سابقة اسقاط الرئيس قبل انتهاء ولايته واثر ذلك على الموقع وهيبة من يشغله ودور الطائفة التي ينتمي اليها في تركيبة الحكم في لبنان. ويتعلق ايضا بعدم استحسان المعارضة معالجة هذا الموضوع الآن لانها لا بد أن تنتزع منها موقعا تسيطر عليه وتعطيه اما الى احد الموالين او الى احد المحايدين. ويتعلق ثالثا، باختلاف الناخبين الرئاسيين المسيحيين على البديل من الرئيس الحالي لاسباب بعضها عام وبعضها خاص. ويتعلق رابعا، برفض الجهات الاقليمية الحامية لهذا الرئيس التخلي عنه وهي التي ترى نفسها مضطرة الى تغيير موقفها السلبي من قضايا اخرى تسبب لها ارقاً كبيراً. ويتعلق بعضها خامساً، باقتناع كثيرين في الداخل والخارج بان المرحلة الحالية، محلياً واقليمياً ودولياً، ليست مرحلة حلول لكل المشكلات الداخلية والمذهبية والخارجية المرتبط بعضها ببعض، بل هي مرحلة اعادة لبنان الواقف على عتبة الانزلاق نحو حرب اهلية وفتنة مذهبية الى شيء من الهدنة والاستقرار في انتظار ان يسفر الوضع الاقليمي والدولي، بتطوراته وحوادثه، عن الاتجاه النهائي الذي ستسلكه المنطقة ويمكن ان يكون في اتجاه الهدوء او التصعيد، فالحرب. وابقاء رئاسة الجمهورية معلقة مع تسوية موقتة للازمة الحكومية وتسوية عامة لموضوع المحكمة ذات الطابع الدولي، من شأنه اراحة الاوضاع وابقاؤها في الوقت نفسه مفتوحة على التصعيد وعلى الحلول. طبعا، لا يشعر بعض اطراف فريق 14 آذار بالارتياح لاستثناء رئاسة الجمهورية من التسوية التي يجري العمل عليها. وقد عبّر عن هذا الشعور في الذكرى الثانية لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري "زعيم" "القوات اللبنانية" سمير جعجع بالهجوم المركز الذي شنه على الرئيس اميل لحود. كما لا تشعر جماهير 14 آذار كلها بالارتياح الى ذلك، وقد عبّرت عنه بهتافات الاستحسان لهذا الهجوم. لكن هذا البعض يعرف دقة المرحلة وصعوبة ظروف الداخل والاوضاع الاقليمية والدولية. ويعرف ايضا ان "عواطف" كل فريق 14 آذار، على تنوعه، حيال لحود لا تختلف عن عواطفه. ويعرف ثانياً ان هذا الفريق حمّل الاخير ولا يزال يحمّله ليس مسؤولية الاغتيالات فحسب، بل كذلك انهيار الوضع في البلاد وجعلها ساحة مفتوحة يستعملها اطراف خارجيون لا يريدون الخير للبلد وشعوبه. ويعرف رابعاً، ان حال التوازن القائمة في البلاد التي لم تسمح للمعارضة بـ"الحسم" وتالياً بفرض سياستها واجندتها على اللبنانيين، لا تسمح له بالقيام بالامر نفسه اي باستكمال التغيير الجذري الذي يطول افرقاء مهمين في الداخل وحلفاء لهم في الخارج. ويعرف خامساً، انطلاقا من كل المذكور اعلاه، ان عليه ان يحدد الاولويات. ويبدو انه فعل. ووفقاً لهذا التحديد فان التسوية – الهدنة ستنطلق اذا تم التوصل اليها من الثنائية الآتية: المحكمة ذات الطابع الدولي والحكومة. وهو انطلق في تحديده هذا من اقتناع بان المحكمة ستفتح الطريق لا محال، وان تدريجاً، ليس فقط امام الاقتصاص من قتلة الرئيس الحريري والشهداء الآخرين بل ايضاً امام تقليص دورهم ونفوذهم في لبنان والحد من قدرتهم على الاستمرار في اللعب بمقدراته ومنعه من الاستقرار ومنع اقامة الدولة فيه. طبعاً، قد يوحي هذا الكلام ان التسوية على الثنائية المذكورة صارت قريبة المنال. لكن الواقع يشير الى ان البحث فيها استؤنف. اما التقدم فلا يزال غائباً. اذ ان هناك مشكلة التزامن بين الحكومة والمحكمة. ثم مشكلة الثلث الضامن الذي هو معطل فعلا. لذلك فان كل الاحتمالات تبقى واردة، علما ان ثمة جهات محايدة قد تكون اقرب الى 14 آذار منها الى 8 آذار، تعتقد ان حكومة بثلث ضامن او معطل للمعارضة وإن مع محكمة ذات طابع دولي ومع رئيس جمهورية معاد ومرتبط الى الآخر بالمعارضة وحلفائها الاقليميين ورئيس مجلس نواب هو جزء من المعارضة، لا يمكن ان تقدم حلا لمشكلة لبنان او ان توفر اجواء ممهدة للحل او على الاقل اجواء هدنة حقيقية طويلة بعض الشيء. في حين ان حكومة بثلث ضامن او معطل، ومع محكمة ورئيس جديد للجمهورية لا ينتمي مباشرة الى فريق الموالاة وفريق المعارضة معروف بحكمته ورصانته وخلقيته ووطنيته، يمكن ان ترسي اسسا عميقة لهدنة طويلة بل ربما لتسوية حقيقية يمكن ان تدفع الخارج الى تسهيل الحلول في لبنان بدلا من تعطيلها. ذلك ان رئيس الجمهورية بدور الحكم والحامي للدستور والمحافظ على صيغة العيش المشترك وعلى لبنان الوطن والدولة، يستطيع ان يحول بمواقفه دون انتصار فريق على آخر وان يدفع الاثنين الى العمل معاً ومعه للبناء وليس للهدم.