هل بدأت صورة عالم ما بعد نهاية الحرب الباردة تتغير؟

سؤال، لا بد وأن الأوروبيين أول من طرحوه على أنفسهم، وهم يستمعون في عقر دارهم إلى خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتن من على منبر المؤتمر الأمني الدولي في ميونخ...

ربما تساءل البعض منهم عما إذا كان الدب الروسي قد حانت إفاقته من سباته الشتوي الذي قارب العقدين، الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفيتي، فأطل اليوم من جديد عليهم في ميونخ معلناً افتتاح حقبة تعدد القطبية المأمولة. فهم يعلمون، أي الأوروبيون، قبل سواهم، أن قيصر الكرملن المتحدث إليهم قد نجح منذ بداية عهده في إيقاف انهيار بلاده المدوي المؤذن يومها بنهاية تلك الحرب، وبدا اليوم لهم، وهو يقترب من نهاية فترة حكمه الثانية ويستعد لمغادرة الكرملن بعد عامين، يشعر بارتياح من أداءه لتلك المهمة وبات مطمئناً لاستعادتها عافيتها. لكن الأمريكان بالتحديد، أو المستفيدون وحدهم من ذلك الانهيار، بتفردهم بأحادية القطبية وإحكام قبضتهم على قرار العالم، هم أكثر من سيتوقفون أمام عبارات القيصر النقديّة الصريحة واللاذعة، وأول من سيدركون، أو هذا ما سيستوجب عليهم فعله إذا ما تخلوا عن غطرستهم، بأن صورة العالم المتغيرة هذه سوف تكون بلا شك الصورة المغايرة قطعاً لما بشّر به محافظوهم الجدد، أو ما حاولوا عنوةً رسمها لعالمنا خلال العقدين الأخيرين.

كما يفترض، ليس هناك ما هو المفاجئ فيما قاله بوتن، وهذا ما نبّه إليه بنفسه لاحقاً، وهو يجول في بلادنا العربية إثر مغادرته لميونخ، قال: "إن كل ما قلته في ميونخ سبق وأن قلته علناً وبصراحة لشركائنا الأمريكيين... أنا متأكد من كل ما قلته، وكل هذا حقيقي"... ماذا قال؟!

قال لهم، أن سر البلاء في عالمنا الراهن هو آحادية القطبية، بمعنى التفرد الأمريكي بقرار العالم... ولم يكن ما قاله مجرد إعلان تذمّر، وإنما كان هجوماً غير مسبوق في السياسة الروسية بعيد انهيار الاتحاد السوفييتي استهدف الهيمنة الأمريكية، هذه التي ينظر إليها في موسكو على أنها "المزعزة للاستقرار في العالم"، أما هدف الهجوم الجلي فكان إعلان الاعتراض الصريح على الانفلات الأمريكي الكوني.

أي أنه كان أكثر من شكوى من تداعيات البلطجة الأمريكية... نعم لقد كان فيما قاله بعضاً من تذمّر كان مكتوماً، وشيء من شكوى لم تعد خافتة، لكن فيه أيضاً بعضاً من التعريض بالفشل الذي تواجه الاستباقية الأمريكية وتداعيات ورطاتها المتتابعة في أفغانستان والعراق وما يتبع، وبالتالي التأشير على هذا التراجع النسبي للدور العالمي الأمريكي، فكان موضوعياً هو الأقرب إلى نوع من التشفي، واستثمار ذكي للأجواء الدولية التي نجمت عن ما ألحقه الجموح الإمبراطوري الأمريكي بالصورة الأمريكية من أذى... هذا الجموح الذي استفزت فجاجته العالم بأسره واستولدت بالتالي ضرورات مقاومته... وهذه الصورة الرديئة في أعين أمم الأرض التي لا تسر الأمريكان ولا حلفائهم الأوروبيين. الأمر الذي أقلق الأمريكان، واتضح هذا القلق في اتهام بوتن بشكل غير مباشر من قبل وزير الحرب الأمريكي روبرت غيتس، بإحياء الحرب الباردة!

ربط بوتن بين هذه الصورة الرديئة وتعميم نوع من شريعة الغاب في ظل أحادية القطبية التي هي وفق وصفه "عالم السيد الأوحد" الذي أقل ما يقال فيه أنه "مدمِّر، ليس فقط لأولئك الذين يوجدون في إطار هذا النظام، بل للسيد نفسه، لأنه يقوضه نفسه"، والذي هو عند بوتن "ليس فقط غير مقبول للعالم المعاصر بل وغير ممكن أبداً". بل هو "غير قابل للعمل لعدم وجود أساس إخلاقي أدبى له في الحضارة المعاصرة، ولاستحالة وجوده"!

وحيث أشر على أن شريعة الغاب هذه إنما تعود إلى كون "أن الولايات المتحدة بسبب من تجاوزاتها القانونية الدولية المتعددة، لم تترك لأحد مجالاً في اللحوء إلى القانون الدولي"، قال أنه، وبسبب من ذلك، "لا يشعر أحد بالأمان" في هذا العالم، وأن هذا بالتالي محفّز كاف لسباق التسلح. ولم ينس بوتن في كلمته هذه ملاحظة كون أن نظام تشريعات الولايات المتحدة "قد تخطى حدودها الوطنية في كل الاتجاهات: في الاقتصاد والسياسة والحقل الإنساني، ويفرض عل الدول الأخرى".

وحيث ذكّر من يستمعون له قائلاً: "نحن صبورون جداً ومتسامحون جداً، ولدينا شعور بأنه لم يتم فهمنا"، كان هذا مدخلاً لشكوى تعني أنه إنما للصبر حدود، بدأها بما يعرف بحرب النجوم، تلك التي لم تعد "خيالاً بل واقعاً"، ولم تقتصر شكواه هذه على قوله أنه: "لا يمكن إلا أن تقلقنا خطط نشر عناصر من أنظمة الدفاع ضد الصواريخ في أوروبا"، ويشير هنا إلى تشيخيا وبولندا. فاتبعها بالإشارة إلى ما قال أنه "في هذا الوقت تظهر في بلغاريا ورومانيا ما يسمى قواعد أمامية أمريكية خفيفة، في كل منها خمسة آلاف عسكري" مستخلصاً: "إذاً شمال الأطلسي يدفع قواته الأمامية نحو حدودنا الدولية بينما نحن ننفذ معاهدة القوات المسلحة العادية في أوروبا"، وعليه يقول بوتن: "لدينا حق مشروع في التساؤل صراحة "ضد من هذا التوسيع"؟؟!! وإذ عيّر بوتن الأوروبيين، أو اتهمهم ضمناً بالنفاق، عندما لاحظ أن بعض دولهم، من تلك التي تحظر قوانينها إعدام القتلة والمجرمين" تشارك بسهولة في العمليات العسكرية التي يصعب تسميتها مشروعة، فيما يقتل مئات بل وآلاف الناس الأبرياء في هذه النزاعات". لم ينس انتقاد الذرائعية الأمريكية المتمثلة عنده فيما قاله من أن الأمريكان "قد بدأوا بإثارة ما يسمى بالتهديدات المثارة من قبل روسيا، وهي غير موجودة، من أجل الطلب من الكونغرس الأمريكي مبالغ لعملياتهم العسكرية في أفغانستان والعراق، ومن أجل بناء ترسانتهم العسكرية المضادة للصواريخ في أوروبا". وكانت قمة انتقاده للمزاعم الأوروبية، ومنها تلك التي وردت على لسان وزير الحرب الإيطالي حول مشروعية عمليات الأطلسي، قد تمثل في هذه العبارة اللاذعة: "لا داعي لاستبدال منظمة الأمم المتحدة بحلف شمالي الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي"!

ما أشرنا إليه اجتزاءً مما قاله بوتن لا يعني أبداً أن روسيا تريد حرباً باردة جديدة، أو تصعيداً في خلافاتها مع واشنطن، كما أنها قطعاً لا تريد سباق تسلح يستنزف طاقاتها، حيث قصب السبق فيه سيكون لصالح الولايات المتحدة دون أدنى شك، نظراً للقدرات وفرة الموارد على الأقل. لكنه يعني، أن هذه الدولة الكبرى، و إن لم تعد عظمى مؤقتاً، تسعى بالطريقة الروسية البطيئة عادةً استعادة بعض من مكانتها إن لم تستطع استعادة تلك المكانة كلها، لا سيما بعض مواقع نفوذها التي خسرتها بانهيار الاتحاد السوفييتي، وعليه يمكن إدراج الجولة التي قام بها بوتن في المنطقة العربية مؤخراً في سياق استحقاقات هذا الهدف. أي أن ما قاله في ميونخ يعكس هموماً روسية حقيقية، وينبئ عن استعدادات لدور روسي أكثر فعالية في مواجهة السياسة الأمريكية الكونية التي تراها موسكو خطيرة على مصالحها. إذ تنظر مثلاً، للوجود العسكري الأمريكي في العراق، وسائر الخليج العربي، وأفغانستان، إذا ما نظر إليه من زاوية تكامله مع امتدادات حلف الأطلسي أو تمدده على حدودها الأوروبية، بمثابة أحكام تطويق شامل لها. وعليه، نلاحظ أنه لم يختر عبثاً عواصماً عربية معروفة بصداقتها وعلاقاتها التقليدية مع الولايات المتحدة لتكون محط رحاله بعيد مغادرته مؤتمر ميونج، ولعل في ذلك محاولة روسية واضحة للإفادة ما أمكن من تداعيات البلطجة الأمريكية واستفزازاتها للمشاعر العربية والإسلامية في العراق وفلسطين وأفغانستان.

لقد غادر بوتن ميونخ متوجهاً إلى العالم العربي، مستفيداً من هشاشة السياسة الأوروبية الدولية وضعفها الناجم عن ذيليلتها المعروفة للسياسة الدولية للولايات المتحدة. ليعلن من ثم عودة روسية إلى هذه المنطقة من باب المصالح المشتركة، أي بعيداً عن الأيدلوجيا هذه المرة، مستثمراً إرثاً من العلاقات التاريخية مع العرب والتي وصفها ب"علقات قديمة ووطيدة"، لتثبيت الأقدام الروسية فيها. أولاً اقتصادياً، حيث سحب معه وهو قادم قافلة من الاقتصاديين قيل أنها تتكون من 60 مدير شركة. وثانياً، إعلانه أنه لم تعد هناك أي خلافات فكرية بين روسيا والعالم العربي والإسلامي، أي أنه بالقدر الذي يصر فيه المحافظون الجدد في الولايات المتحدة على استعداء العرب والمسلمين وإشعال فتيل ما يسمى صراع حضارات، يحاول هو مد الجسور مع العرب والمسلمين. فقارب بالتالي مبتغاه، عندما سمع العاهل السعودي مثلاً، يتحدث وهو يرحب به، عن تعاون بين الطرفين " وفق منظور استراتيجي يخدم مصالح البلدين على الأمد الآني والبعيد" في سياق ما دعاه الملك توفر "خيارات أخرى" أمام بلاده، فسارع من جانبه فعرض تعاوناً في مجال الطاقة النووية، وابداء الاستعداد لإطلاق 6 أقمار صناعية سعودية هذا العام، ثم ما تسرب من الحديث على هامش زيارته عن صفقة دبابات روسية بلغت 150 دبابة طراز ت-90. وفي محطته القطرية أو الثانية، كان الكلام عن مجمع لمصدري الغاز، وفي المحطة الأردنية، أي الثالثة، أسمع الأطراف العربية الرسمية ما تريد عادة سماعه عبر حديثه عن مؤتمر دولي للسلام في المنطقة الخ.

بيد أن اللافت هو تبريره للتعاون الروسي – الإيراني في مجال التسليح عندما قال في ميونخ إننا نبيع السلاح لإيران "حتى لا تشعر أنها محاصرة في بيئة معادية"، مشيراً هنا بالتأكيد إلى التواجد الأمريكي المحيط بها.

لعل أكثر ما سيقلق الجانب الأمريكي، ويستدعي وقفة من قبل كل المتضررين من السياسة الكونية الأمريكية، وحتى أصدقاء الولايات المتحدة الأمريكية، هو تركيز بوتن، أو ما يبدو أنه بات منطلق الحركة الروسية الجديدة، التي أعلنت نمطاً روسياً جديداً في التعامل مع علاقات موسكو المعقدة مع واشنطن، أو حيال تعاملها مع الأزمات الدولية القائمة، تركيزه على تآكل آحادية القطبية لصالح حقبة تعدد الأقطاب التي تلوح اليوم، أو القادمة لا محالة، بالإضافة إلى إبدائه تقييماً روسياً حازماً وصريحاً للسياسة الأمريكية باعتبارها في نظر الروس مصدر خطر مباشر على مصالح بلادهم... هذا لم يقله بوتن فحسب، بل جرى على ألسنة كثير من المسؤولين الروس، ومنهم رئيس أركان الجيش الأحمر، عندما اعتبر قبل أيام نشر منظومة الصواريخ في عدد من بلدان أوروبا الشرقية تهديداً للأمن الروسي... ففي خطاب ميونخ عالج بوتن مسألة حتمية زوال أحادية القطبية من زاوية اقتصادية حتام تقود إلى سياسة تؤدي إلى تعددها لا محالة، ومن ذلك إشارته إلى أنه "يبلغ مجمل الناتج الإجمالي المحلي للهند والصين في معادلة القوة الشرائية أكثر مما لدى الولايات المتحدة الأمريكية. والناتج الإجمالي المحلي، على هذا الأساس، لدى البرازيل، روسيا، الهند، والصين، يفوق مجمل الناتج الإجمالي للاتحاد الأوروبي"، مستخلصاً أنه "لا ينبغي الشك في أن القدرة الاقتصادية للمراكز الجديدة للنمو العالمي ستحوّل حتماً إلى نفوذ سياسي، وسيتعزز تعدد الأقطاب". خطاب بوتن في ميونخ وجولته في المنطقة نذير ببداية تغيُّر قادم سوف يطرأ على صورة عالم حقبة ما بعد الحرب الباردة... كيف سيبدو العرب في الجزء المتعلق بهم في المشهد المتبدى في هذه الصورة؟!

إنه رهن بحرصهم على إفادتهم من فرص هذا التغيُّر من عدمه!